تشهد العلاقات الاقتصادية بين المكسيك والولايات المتحدة مرحلة جديدة من إعادة التموضع، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها التجارة العالمية، واتجاه الشركات متعددة الجنسيات إلى تقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد البعيدة، ونقل جزء من عملياتها الإنتاجية إلى دول قريبة من الأسواق الرئيسية، فيما يعرف باستراتيجية “إعادة التوطين القريب” (Nearshoring).
وتسعى المكسيك إلى استثمار هذا التحول لتعزيز موقعها كشريك صناعي واستثماري رئيسي للولايات المتحدة، مستفيدة من حدودها المشتركة مع أكبر اقتصاد في العالم، ومن اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، التي توفر إطارًا تجاريًا متقدمًا يسهم في زيادة تدفقات التجارة والاستثمار داخل أمريكا الشمالية.
وتبرز هذه التطورات بالتزامن مع استعداد الدول الثلاث لمراجعة الاتفاقية التجارية خلال المرحلة المقبلة، وهي مراجعة يتوقع أن تتناول قضايا تتعلق بقواعد المنشأ، والصناعات الاستراتيجية، وسلاسل الإمداد، إضافة إلى آليات الحد من الاعتماد على الواردات القادمة من الصين في بعض القطاعات الحيوية.
وأكدت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم أن حكومتها تعمل على تعزيز التصنيع المحلي، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، مشيرة إلى أن المكسيك تستهدف التحول من قاعدة إنتاج منخفضة التكلفة إلى شريك صناعي متقدم يعتمد على التكنولوجيا والقيمة المضافة.
وتعتمد الاستراتيجية الاقتصادية المكسيكية على توسيع الاستثمارات في قطاعات السيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والإلكترونيات، والأجهزة الطبية، والطاقة النظيفة، وهي قطاعات تشهد طلبًا متزايدًا من الشركات العالمية التي تسعى إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقليل المخاطر الجيوسياسية.
ويرى محللون أن قرب المكسيك الجغرافي من الولايات المتحدة، إلى جانب انخفاض تكاليف النقل مقارنة بالأسواق الآسيوية، يمنحها ميزة تنافسية مهمة في جذب الشركات العالمية، خاصة مع استمرار الضغوط التي تواجه التجارة الدولية نتيجة التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن.
وأشار الباحث المتخصص في الاقتصاد المكسيكي رييس ماتا، في تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إلى أن البلاد تمتلك فرصة تاريخية للاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، إلا أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب تطوير البنية التحتية، وتعزيز قطاع الطاقة، وتحسين بيئة الأعمال، وترسيخ سيادة القانون.
ومن جانبه، أوضح الباحث خورخي سواتو من مؤسسة بروكينغز أن انتقال الاستثمارات الصناعية إلى المكسيك يمثل أحد أبرز التحولات الاقتصادية في أمريكا الشمالية خلال السنوات الأخيرة، لكنه شدد على أن استمرار هذه الموجة يعتمد على قدرة الحكومة على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وضمان استدامة الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية.
وفي السياق ذاته، قال كبير الاقتصاديين في بنك BBVA Mexico، كارلوس هيرنانديز، إن الاقتصاد المكسيكي يحقق مكاسب واضحة من ارتفاع الاستثمارات الصناعية الأجنبية، إلا أنه لا يزال يواجه تحديات ترتبط بتباطؤ النمو في الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وزيادة تكاليف التمويل بالنسبة للشركات.
كما يلفت خبراء الاقتصاد إلى أن المكسيك تحتاج إلى استثمارات كبيرة في شبكات الكهرباء، والموانئ، والسكك الحديدية، والطرق السريعة، إلى جانب تطوير منظومة التعليم الفني والتدريب المهني، حتى تتمكن من تلبية احتياجات الصناعات الحديثة التي تتطلب كوادر مؤهلة وبنية تحتية متطورة.
وتبقى التحديات الأمنية أيضًا من أبرز الملفات التي تؤثر في جاذبية بعض الولايات الصناعية، إذ ترى المؤسسات الاقتصادية أن تحسين الأمن وتعزيز الاستقرار الداخلي يمثلان عنصرين أساسيين لضمان استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل.
ورغم هذه التحديات، تشير التقديرات إلى أن المكسيك ستكون من أكبر المستفيدين من إعادة هيكلة التجارة العالمية خلال السنوات المقبلة، بفضل موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية الواسعة وقاعدة التصنيع المتنامية. إلا أن تحويل هذه المزايا إلى نمو اقتصادي مستدام سيعتمد على قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية وترفع القيمة المضافة للصناعة الوطنية، بما يجعل المكسيك شريكًا صناعيًا متقدمًا للولايات المتحدة، وليس مجرد مركز للتجميع وإعادة التصدير.


