لم تعد المكسيك مجرد الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة أو بوابة التصنيع التقليدية لأمريكا الشمالية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أهم ساحات التنافس الاقتصادي بين واشنطن وبكين، في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية التي تسارعت بعد الحرب التجارية الأمريكية الصينية، ثم جائحة كورونا، وأخيرًا تصاعد التوترات الجيوسياسية بين القوتين الاقتصاديتين.
فبعد عقود اتجهت خلالها الشركات الأمريكية والعالمية إلى الصين للاستفادة من انخفاض تكاليف الإنتاج وضخامة القاعدة الصناعية، بدأت استراتيجية جديدة تتبلور تحت مفهوم “الإنتاج القريب” (Nearshoring)، والتي تقوم على نقل جزء من خطوط الإنتاج إلى دول قريبة من الأسواق المستهدفة، وفي مقدمتها المكسيك، لما توفره من قرب جغرافي، وانخفاض نسبي في تكاليف التشغيل، إلى جانب استفادتها من اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).
وتشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي إلى أن المكسيك أصبحت في عام 2023 أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة من حيث تجارة السلع، متجاوزة الصين في عدد من المؤشرات التجارية، وهو تحول يعكس تغيرًا هيكليًا في خريطة التجارة العالمية أكثر من كونه مجرد تبدل في ترتيب الشركاء التجاريين.
ويرى خبراء أن هذا التحول يمثل أحد أبرز نتائج الحرب التجارية التي بدأت خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واستمرت آثارها خلال إدارة جو بايدن عبر الإبقاء على كثير من القيود التجارية والتكنولوجية المفروضة على الصين.
ويؤكد الباحث البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (PIIE)، تشاد باون، أن الرسوم الجمركية والقيود التجارية دفعت العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى البحث عن مواقع إنتاج أكثر قربًا من السوق الأمريكية، وهو ما جعل المكسيك المستفيد الأكبر من هذه الاستراتيجية الجديدة.
استراتيجية أمريكية لإعادة توزيع الإنتاج
لا تنظر واشنطن إلى سياسة “الإنتاج القريب” باعتبارها مجرد وسيلة لخفض تكاليف النقل أو تقليص زمن الشحن، بل تراها جزءًا من مفهوم أوسع يتعلق بالأمن الاقتصادي والأمن القومي.
فالأزمات التي شهدها العالم خلال الأعوام الأخيرة، سواء جائحة كورونا أو اضطرابات البحر الأحمر أو التوترات مع الصين، كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على سلاسل توريد بعيدة جغرافيًا، ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع الصناعات الحيوية بالقرب من حدودها.
وتشمل هذه الصناعات السيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والبطاريات، والأجهزة الطبية، والإلكترونيات المتقدمة، وهي قطاعات باتت ترتبط بصورة مباشرة بالتنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين.
الاستثمارات الصينية… حضور بطرق جديدة
ورغم أن الهدف الأمريكي يتمثل في تقليل الاعتماد على الصين، فإن الواقع الاقتصادي يكشف صورة أكثر تعقيدًا.
فوفقًا لغابرييل وايلدو، الباحث في مركز ويلسون، فإن جزءًا مهمًا من الطفرة الصناعية التي تشهدها المكسيك يعتمد على استثمارات آسيوية، من بينها شركات صينية أقامت مصانع داخل الأراضي المكسيكية لتصنيع منتجات موجهة إلى السوق الأمريكية.
ويمنح هذا النموذج الشركات الصينية فرصة للاستفادة من الموقع الجغرافي للمكسيك واتفاقياتها التجارية مع الولايات المتحدة، مع تقليل تأثير الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات القادمة مباشرة من الصين.
وأثار هذا الواقع مخاوف داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية، حيث يرى بعض المسؤولين أن شركات صينية قد تستخدم المكسيك منصة لإعادة التصدير إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى مناقشة تشديد قواعد المنشأ في عدد من الصناعات الحساسة، خاصة السيارات الكهربائية والبطاريات والمكونات الإلكترونية.
هل يغادر العالم الصين بالفعل؟
يرى عدد من الخبراء أن الحديث عن “خروج عالمي من الصين” لا يعكس الصورة الحقيقية.
وتوضح ديبورا إلمز، الباحثة في مؤسسة هينريش، أن سياسة الـ Nearshoring لا تعني التخلي الكامل عن الصين، وإنما إعادة توزيع مراحل الإنتاج عالميًا، بحيث تستمر الصين في توفير نسبة كبيرة من المواد الخام والمكونات الصناعية، بينما تنتقل عمليات التجميع النهائي إلى دول أقرب للأسواق الكبرى مثل المكسيك وفيتنام والهند.
وبذلك تتحول سلاسل الإمداد من نموذج يعتمد على مركز إنتاج واحد إلى نموذج أكثر تنوعًا وانتشارًا، يقلل المخاطر لكنه لا يلغي الدور الصناعي الصيني.
فرصة تاريخية للمكسيك
في المقابل، تسعى الحكومة المكسيكية إلى استثمار هذا التحول العالمي عبر جذب استثمارات ضخمة في الصناعات المتقدمة.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى نمو ملحوظ في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتوسع شركات عالمية في إنشاء مصانع جديدة أو زيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع القائمة.
وتستهدف المكسيك تطوير صناعات السيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والأجهزة الطبية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وسهولة الوصول إلى السوق الأمريكية.
وترى الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR)، شانون أونيل، أن المكسيك تمتلك فرصة قد لا تتكرر لتعزيز مكانتها كقاعدة صناعية رئيسية لأمريكا الشمالية، لكنها تحتاج إلى معالجة عدد من التحديات الهيكلية، أبرزها تطوير البنية التحتية، وتحسين قطاع الكهرباء والطاقة، وضمان استقرار البيئة القانونية والتنظيمية لجذب مزيد من المستثمرين.
تحديات قد تحدد مستقبل التحول
ورغم الزخم الاستثماري، فإن الطريق أمام المكسيك لا يخلو من العقبات.
فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وصندوق النقد الدولي يشيران إلى أن استمرار تدفق الاستثمارات سيعتمد على قدرة الحكومة المكسيكية على تحسين شبكات النقل، وتأمين إمدادات المياه والكهرباء، ومعالجة التحديات الأمنية، ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية.
كما أن أي تباطؤ في تنفيذ مشروعات البنية التحتية قد يحد من قدرة البلاد على استيعاب موجة انتقال الصناعات العالمية.
وفي الوقت ذاته، ترفض الصين الاتهامات الأمريكية بأنها تستخدم المكسيك للالتفاف على القيود التجارية، مؤكدة أن استثمارات شركاتها تأتي في إطار أنشطة اقتصادية طبيعية تسهم في خلق فرص العمل وتعزيز التنمية الصناعية داخل المكسيك.
الجغرافيا الصناعية تدخل معادلة الأمن الاقتصادي
ويرى الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تجاوزت مرحلة الرسوم الجمركية، لتدخل مرحلة جديدة تقوم على إعادة رسم خريطة الإنتاج العالمي، بحيث تصبح مواقع المصانع وسلاسل التوريد جزءًا من معادلات الأمن القومي والقدرة التنافسية للدول.
وفي هذا السياق، تبدو المكسيك في موقع استثنائي، فهي ليست بديلًا كاملًا للصين، لكنها أصبحت الحلقة الأكثر أهمية في استراتيجية واشنطن لإعادة بناء سلاسل الإمداد داخل نصف الكرة الغربي.
ومع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة والصين، يتوقع محللون أن يزداد التنافس على الاستثمار والإنتاج داخل المكسيك، ما يجعلها إحدى أكثر الدول تأثيرًا في مستقبل الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية مع الحضور الصناعي الصيني، لتصبح الجغرافيا الاقتصادية عنصرًا حاسمًا في رسم ملامح النظام التجاري الدولي الجديد.


