في لحظة تتشابك فيها الجغرافيا السياسية مع معادلات الاقتصاد العالمي، عادت أسواق المال في الشرق الأوسط لتلتقط أنفاسها صعودًا، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط ومخاوف متزايدة بشأن الإمدادات العالمية.
فمن الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، إلى تصعيد الهجمات في الحرب الروسية الأوكرانية، تتشكل بيئة دولية مضطربة تنعكس مباشرة على حركة الطاقة ورؤوس الأموال.
وفي هذا السياق، ارتفعت أسواق الأسهم الخليجية مقتفية أثر صعود النفط، بينما واصل المؤشر المصري رحلة الصعود ليبلغ مستوى قياسيًا جديدًا، في إشارة إلى تحولات لافتة في ثقة المستثمرين الإقليميين.
النفط محرك الأسواق الخليجية
شهدت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا، إذ صعد خام برنت بنسبة 2.18 بالمئة ليصل إلى 63.34 دولار للبرميل، مدعومًا بمخاوف تتعلق باستقرار الإمدادات العالمية.
ويُعد النفط المحفز الرئيسي لأسواق المال في دول الخليج، نظرًا لاعتماد اقتصاداتها بشكل كبير على العائدات النفطية في تمويل الموازنات العامة ودعم الإنفاق الحكومي.
ويشير محللون إلى أن أي ارتفاع في أسعار الخام ينعكس سريعًا على أسهم قطاعات الطاقة والبنوك والصناعة في أسواق الخليج، باعتبارها الأكثر استفادة من تحسن التدفقات النقدية الحكومية وتوسع المشاريع.
أسهم الخليج بين السياسة والطاقة
ارتفعت المؤشرات الرئيسية في أسواق السعودية والإمارات وقطر والكويت، مدفوعة بتفاؤل المستثمرين حيال تحسن الإيرادات النفطية.
وتزامن ذلك مع حالة من الحذر الإيجابي، حيث يراقب المستثمرون التطورات الجيوسياسية باعتبارها عامل دعم للأسعار على المدى القصير، لكنها قد تتحول إلى مصدر تقلب حاد إذا ما اتسعت رقعة الصراع.
ويقول خبير أسواق المال الإقليمي د. سامر العلي إن: “الأسواق الخليجية تتحرك حاليًا وفق معادلة واضحة، فكلما زادت المخاطر على إمدادات الطاقة عالميًا، ارتفعت شهية المستثمرين لأسهم المنطقة، باعتبارها ملاذًا نسبيًا مستفيدًا من ارتفاع النفط”.
المؤشر المصري يتقدم
على الجانب الآخر، سجل المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية مستوى قياسيًا جديدًا، مستفيدًا من تدفقات سيولة محلية وأجنبية، وتزايد الرهانات على تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي.
ويعكس هذا الصعود حالة من التفاؤل النسبي بشأن -آفاق السوق وفقا لخبراء- مدعومة بإصلاحات اقتصادية وهيكلية، إلى جانب تحسن أداء بعض القطاعات القيادية مثل البنوك والعقارات والطاقة.
ويرى محللون أن صعود المؤشر المصري لا ينفصل عن السياق الإقليمي، حيث أسهم تحسن شهية المخاطرة في الأسواق الناشئة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، في تعزيز جاذبية السوق المصرية رغم التحديات القائمة.
وفقا للاتجاه العالمى لاسعار النفط
بحسب ما نقلته وكالات أنباء اقتصادية موثوقة، فإن الارتفاع الأخير في أسواق الخليج جاء متماشيًا مع الاتجاه العالمي لأسعار النفط، في ظل مخاوف متزايدة من تعطل الإمدادات بسبب التوترات السياسية.
كما أشارت تقارير دولية إلى أن المستثمرين يعيدون تقييم مراكزهم في الأسواق المرتبطة بالطاقة، تحسبًا لمزيد من الاضطرابات الجيوسياسية.
وفيما يتعلق بمصر، لفتت تقارير مؤسسات مالية دولية إلى أن تسجيل المؤشر مستويات قياسية يعكس تحسنًا في معنويات المستثمرين، لكنه يظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على الاستقرار المالي وكبح التضخم.
بين التفاؤل والحذر
يؤكد الخبير الاقتصادي د. محمود خليل أن: “الارتفاع الحالي في أسواق الخليج مدفوع بعوامل خارجية أكثر منها داخلية، وعلى رأسها النفط، وهو ما يستدعي الحذر من أي انعكاس مفاجئ في الأسعار”.
في المقابل، ترى محللة الاستثمار منى شوقي أن: ” صعود المؤشر المصري يحمل دلالة نفسية مهمة، لكنه يحتاج إلى دعم من نتائج أعمال قوية واستمرار الإصلاحات لضمان استدامته”.
في المحصلة، تكشف حركة الأسواق في الخليج ومصر عن صورة مركبة لاقتصاد المنطقة، حيث يمتزج الأمل بالحذر، وتتصدر السياسة والطاقة مشهد المال والاستثمار.
فبين نفط يصعد على وقع الأزمات، وأسهم خليجية تستفيد من العائدات، وبورصة مصرية تحطم الأرقام القياسية، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة هذه المكاسب على الصمود في عالم سريع التقلب، تحكمه الأزمات بقدر ما تحركه الفرص.


