1- تُعد الهمزة من أعقد قضايا الإملاء العربي، وأكثرها إرباكًا للطلاب والكتّاب، حتى غدت في نظر كثيرين “مشكلة لغوية” مزمنة.
ومن هنا جاء كتاب الدكتور رمضان عبد التواب «مشكلة الهمزة العربية»، الذي حاول أن يعيد النظر في هذا الإشكال التاريخي، لا بمجرد الشرح والتكرار، بل بطرح اقتراحات عملية تهدف إلى التيسير والتبسيط وتوحيد القاعدة
2- من بين الحروف العربية، يبقى للهمزة شأنٌ خاص، فهي أصغر الحروف شكلاً، لكنها أعقدها ضبطًا وأكثرها إثارة للجدل…
3- في كتابه “مشكلة الهمزة العربية” الصادر عن مكتبة الخانجي، يفتح الدكتور رمضان عبد التواب واحدًا من أعمق الملفات اللغوية التي رافقت الكُتّاب والباحثين منذ قرون: إشكالية رسم الهمزة ومواضعها وقواعدها.
4- يبدأ المؤلف رحلته من الجذور التاريخية، موضحًا أن العرب في النقوش الأولى لم يلتزموا بكتابة الهمزة، ثم ما لبثت أن استقرت في العصور الإسلامية بأشكال متعددة، حتى تحولت إلى لغز إملائي يصعب على الطالب والكاتب إتقانه.. فالهمزة، بوصفها صوتًا انفجاريًا حنجريًا، تتأثر بحركات الفتح والضم والكسر، وتخضع لقواعد معقدة جعلت رسمها أكثر عسرًا من غيرها.
5- يعرض د. رمضان عبد التواب آراء المدارس النحوية القديمة، من بصريين وكوفيين، في ضبط الهمزة وتسهيلها وقلبها وإسقاطها، ويكشف عن تباين كبير بينهم.
ثم ينتقل إلى القواعد الحديثة المقررة في المدارس، لينتقدها باعتبارها زادت الأمر تعقيدًا.. فبدلًا من التيسير على المتعلمين أرهقتهم بوفرة التفاصيل والاشتراطات.
6- الكتاب لا يكتفي بعرض الخلافات، بل يقدم رؤية إصلاحية تحاول الموازنة بين المحافظة على أصالة التراث والتيسير على الأجيال الجديدة.
فالمؤلف يقترح قواعد عملية تسهم في إزالة الارتباك، وتجعل كتابة الهمزة أكثر وضوحاً وسلاسة، دون إخلال بجوهر اللغة.
7- الهمزة هنا ليست مجرد علامة إملائية؛ إنها رمز لصراع أوسع بين أمانة التراث وحاجات الحاضر.
والكتاب يفتح النقاش حول سؤال حضاري مهم: كيف يمكن للغة أن تحافظ على هويتها، وفي الوقت نفسه تظل سهلة ميسّرة لأبنائها؟
8- يرى الدكتور عبد التواب أن النظام التقليدي في رسم الهمزة بالغ التعقيد، إذ يقوم على مقارنة حركة الهمزة مع حركة ما قبلها وما بعدها، ثم ترجيح الأقوى منها، مما ينتج عنه تشابك قواعدي لا يكاد يضبطه حتى المتخصصون.
ولذلك دعا إلى إعادة بناء القاعدة على أساس جديد يقوم على الاعتماد على حركة الهمزة نفسها فقط، دون النظر إلى حركة ما قبلها أو بعدها..
9- يقول د. رمضان: إذا كانت الهمزة مضمومة كُتبت على الواو، وإذا كانت مكسورة كُتبت على الياء، وإذا كانت مفتوحة كُتبت على الألف، وإذا كانت ساكنة كُتبت على السطر.
أما الهمزة في آخر الكلمة، فيقترح أن تُكتب دائماً على السطر، ليزول الاضطراب بين صور مثل: “شيء” و”مبادئ” و”ملء”.
10- يضرب د. رمضان عبد التواب أمثلة على ذلك:
فكلمة “رؤية” في الرسم المعتاد معقدة لأنها مضمومة بعد كسرة، فتُكتب على ياء، بينما وفق اقتراحه تُرسم ببساطة على واو لأنها مضمومة، فتكون “رؤُية”.
وكلمة “مساءلة” يكتبها التقليد “مساءلة” مراعاة لحركة ما قبلها، أما عنده فتُكتب “مسائِلة” لأنها مكسورة. وكلمات مثل “جزء” و”ملء” و”مبادئ” تستقر كلها على السطر، فتُكتب “جزء” و”ملء” و”مبادء”.
11- يريد الدكتور عبد التواب أن يحرر العربية من عبء القواعد المتشعبة، وأن يجعل الإملاء العربي أكثر وضوحًا ويسرًا للمتعلم، من دون أن يمس بجوهر اللغة أو سلامتها الصوتية.
12- إنها دعوة إلى تيسير الإملاء العربي وتوحيد نظامه، بما يعيد للكتابة العربية سلاستها المفقودة، ويقرّبها من روح اللغات التي نجحت في توحيد نظمها الكتابية.
13- المؤلف: عالم اللغة الكبير الدكتور رمضان عبد التواب (1930م -2001م) من أبرز علماء اللغة في القرن العشرين.
تميّزَ بدعوته إلى تبسيط النحو والإملاء مع الحفاظ على أصالة العربية، فكان صوتًا إصلاحيًا وسط جمود القواعد وتعقيداتها
أستاذ العلوم اللغوية بكلية الآداب جامعة عين شمس، وجامعة الرياض، وجامعة الإمام محمد بن سعود بالمملكة السعودية.
وكيل كلية الآداب، جامعة عين شمس.
عميد كلية الآداب، جامعة عين شمس.
خلّف آثارًا علمية بارزة مثل:
– فقه اللغة.
– التطور اللغوي.
– المدخل إلى علم اللغة.
– التذكير والتأنيث في اللغة.
– لحن العامة والتطور اللغوي.
– فصول في فقه العربية.
– اللغة العبرية.. قواعد ونصوص ومقارنات باللغة السامية.
– في قواعد الساميات – العبرية والسريانية والحبشية.
– بحوث ومقالات في اللغة.
– مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين.
– مشكلة الهمزة العربية.
– دراسات وتعليقات في اللغة.
– العربية الفصحى والقرآن الكريم أمام العلمانية والاستشراق.
14- كتاب “مشكلة الهمزة العربية” هو محاولة جادة لوضع النقاط على الحروف، أو بالأحرى على الهمزات، في قضية ظلت تؤرّق الدارسين والكتّاب..
إنه عمل يجمع بين الدقة العلمية والرؤية الإصلاحية، ويستحق أن يكون على مكتبة كل معلم، وباحث، وكاتب عربي.
15- رحمَ اللهُ العالم اللغوي الكبير د. رمضان عبد التواب.
…………..
يسري الخطيب







