تشهد الهند حراكًا مكثفًا على جبهات التجارة الدولية، في وقت يسعى فيه ثالث أكبر اقتصاد في آسيا لتعزيز مكانته في سلاسل التوريد العالمية، مستفيدة من نمو اقتصادي قوي، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالرسوم الجمركية والعقوبات والسياسات الحمائية.
آمال باتفاق مع الولايات المتحدة
قال وزير التجارة الهندي، بيوش جويال، خلال مؤتمر للمستثمرين في مومباي، إن بلاده تأمل في إبرام اتفاقية تجارية ثنائية مع الولايات المتحدة بحلول نوفمبر المقبل.
وأضاف جويال، في خطاب افتراضي، أن هذا الاتفاق سيكون خطوة محورية لتخفيف حدة التوترات التي شابت العلاقات بين البلدين، بعد أن فرضت واشنطن رسوماً جمركية مرتفعة وصلت إلى 50% على صادرات رئيسية من الهند منذ أواخر أغسطس.
الولايات المتحدة تُعد أكبر شريك تجاري للهند، غير أن الخلافات حول الرسوم الجمركية، إلى جانب ملف مشتريات النفط الروسي، شكلت عائقًا أمام تعزيز التعاون.
أوروبا.. مفاوضات شاقة
وفي موازاة ذلك، تتقدم المفاوضات التجارية بين الهند والاتحاد الأوروبي بخطوات بطيئة لكنها ثابتة. وأوضح جويال أن المسؤولين التجاريين من الجانبين يعقدون اجتماعات في بروكسل لمناقشة بنود الاتفاق، في وقت تبلغ فيه قيمة التبادل التجاري بين الهند وأوروبا نحو 190 مليار دولار سنوياً.
ورغم التوافق المبدئي على استكمال اتفاقية التجارة الحرة قبل نهاية العام، إلا أن العقبات ما تزال قائمة. فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى خفض الرسوم على السيارات ومنتجات الألبان وتشديد القواعد البيئية، بينما تصر الهند على حماية المزارعين المحليين، والاحتفاظ بمرونة في الالتزامات البيئية، مع ضمان سيطرتها على تسوية النزاعات القانونية.
عودة الدفء مع الصين
أما على صعيد العلاقات مع بكين، فقد لفت وزير التجارة الهندي إلى أن العلاقات “تعود إلى طبيعتها” مع تراجع التوترات الحدودية. هذا التطور قد يفتح الباب أمام استعادة زخم التبادل التجاري، رغم أن الصين تبقى منافسًا مباشرًا للهند في قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا والإلكترونيات.
إنجازات تجارية إقليمية
الهند لم تكتفِ بالشركاء الكبار، فقد أبرمت بالفعل اتفاقيات مع موريشيوس وأستراليا ورابطة التجارة الحرة الأوروبية، بالإضافة إلى الإمارات والمملكة المتحدة. هذه الخطوات تعكس توجه نيودلهي لتوسيع شبكتها التجارية عالميًا وتجنب الاعتماد المفرط على سوق واحد.
النفط الروسي والعقوبات الغربية
لكن ملف النفط الروسي يبقى عقدة أساسية. فالهند، التي تعتمد على الواردات لتلبية أكثر من 80% من احتياجاتها النفطية، تعرضت لانتقادات أميركية وأوروبية بسبب مشترياتها من موسكو رغم العقوبات الغربية.
وتواجه شركات التكرير مثل “نيارا إنرجي” المدعومة من روسيا صعوبات متزايدة في نقل الشحنات نتيجة القيود الأوروبية، ما أجبرها على خفض الكميات الموردة.
الهند انتقدت ما وصفته بـ”ازدواجية المعايير”، مؤكدة أن الغرب يواصل التعامل مع روسيا تجاريًا بينما يضغط على نيودلهي لتقليص اعتمادها على الخام الروسي.
اقتصاد محلي قوي رغم التحديات
على الصعيد الداخلي، يواصل الاقتصاد الهندي إظهار معدلات نمو تفوق التوقعات. فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 7.8% في الربع الأخير، فيما أظهر مسح لقطاع الخدمات تسارعاً إلى أعلى مستوى له منذ 15 عاماً.
قفز مؤشر مديري مشتريات الخدمات إلى 62.9 نقطة في أغسطس مقارنة بـ60.5 في يوليو، ما يعكس قوة الطلب المحلي والدولي. كما سجلت طلبات التصدير أعلى مستوياتها خلال 14 شهراً، مما أتاح للشركات نقل تكاليف الإنتاج إلى المستهلكين بسهولة أكبر.
لكن هذه الحيوية الاقتصادية تواجه تهديدًا من الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة، والتي قد تؤثر على الصادرات الهندية وتضغط على معدلات النمو في الفصول المقبلة.
مفترق طرق اقتصادي
تجد الهند نفسها اليوم أمام مفترق طرق استراتيجي:
-
من جهة، تسعى لتأمين شراكة تجارية متقدمة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتعزيز مكانتها كسوق ناشئة كبرى.
-
ومن جهة أخرى، تواجه عراقيل تتعلق بالحمائية، والعقوبات على النفط الروسي، وتباين الأولويات البيئية والتنظيمية.
وبينما يحاول قادة نيودلهي تحقيق توازن بين الشراكات الدولية وحماية المصالح الوطنية، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل قوة الاقتصاد المحلي إلى نفوذ تفاوضي عالمي يضمن للهند مكانة متقدمة في خريطة التجارة الدولية خلال العقد المقبل.







