على شاطئ بحر أندامان، في ساعات الفجر الأولى، وجد نوبل حسين نفسه مكبلاً بالأغلال مع زوجته، قبل أن يُلقى في قارب صغير مع عشرات آخرين من الروهينجا. كانوا يظنون أنهم هربوا من أهوال جيش ميانمار عندما لجؤوا إلى الهند قبل أكثر من عقد.
لكنهم استيقظوا على واقع أكثر قسوة: “الحكومة الهندية أعادتنا إلى نفس المفترس الذي فررنا منه”، قال حسين بصوت مرتجف.
روى لاجئون لصحيفة عرب نيوز تفاصيل صادمة عن احتجازهم في نيودلهي ونقلهم عبر طائرات عسكرية إلى سفن حربية في بحر أندامان.
حيث أجبروا على السباحة نحو اليابسة بعد أن فكّت القوات قيودهم. شهادات أخرى كشفت عن اعتقالات تعسفية بحجة جمع البيانات البيومترية، لتتحول حياة مئات اللاجئين المسجلين لدى مفوضية اللاجئين إلى كابوس من الترحيل والفصل الأسري.
موقف الأمم المتحدة والحقوقيين
أطلق توم أندروز، المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ميانمار، تحقيقًا في “أفعال غير مقبولة” ارتكبتها السلطات الهندية، مؤكداً أن عمليات الطرد تتعارض مع القانون الدولي.
في السياق ذاته، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرًا حذرت فيه من أن الهند رحّلت أكثر من 200 لاجئ روهينجي منذ مايو/أيار 2025، واعتقلت مئات آخرين بصورة تعسفية.
سابر كياو مين، مؤسس مبادرة حقوق الروهينجا في دلهي، وصف هذه السياسات بأنها “انتهاك صريح للدستور الهندي”، مشددًا: “ميانمار ليست آمنة للروهينجا. إعادتهم قسراً تعني تسليمهم للموت”.
أبعاد سياسية داخلية
يرى مراقبون أن الحملة الأخيرة ضد الروهينجا لا تنفصل عن سياسات حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة ناريندرا مودي، حيث تُقدَّم قضية اللاجئين باعتبارها ملفًا أمنيًا وديمغرافيًا.
ويقول محللون إن الحزب يستثمر في خطاب “المهاجر غير الشرعي” لتعبئة قاعدته القومية، مستهدفًا الأقليات المسلمة والناطقين بالبنغالية.
الناشطة الحقوقية بريالي سوري من منظمة مشروع آزادي أوضحت أن “الهند تاريخياً كانت ملجأً لللاجئين، من السريلانكيين إلى التبتيين والأفغان. ما يجري اليوم تحوّل خطير يعكس أيديولوجية سياسية لا ترى في اللاجئين بشراً يحتاجون للحماية، بل عبئاً أمنياً يجب التخلص منه”.
ردود فعل إسلامية وأممية
أثارت هذه التطورات استنكاراً واسعاً في العالم الإسلامي، إذ أصدرت منظمات في باكستان وماليزيا وتركيا بيانات شديدة اللهجة ضد ما وصفوه بـ”الترحيل القسري الوحشي”.
ودعت منظمة التعاون الإسلامي حكومة نيودلهي إلى “وقف انتهاكاتها ضد اللاجئين الروهينجا فوراً”، مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته.
في المقابل، تتواصل الدعوات الأممية للضغط على الهند لاحترام التزاماتها الإنسانية رغم أنها ليست طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951. ويشير خبراء قانون دولي إلى أن مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-Refoulement) هو عرف دولي مُلزم، حتى خارج الاتفاقيات، ويُحظر بموجبه إعادة أي لاجئ إلى مكان قد يتعرض فيه للاضطهاد.
بين الإنسانية والسياسة
تُجسد قضية الروهينجا في الهند اليوم مأزقاً أخلاقياً وسياسياً. فبينما يصرّ المسؤولون الهنود على اعتبارهم “مهاجرين غير شرعيين”،
يرى الحقوقيون أن هؤلاء اللاجئين ليسوا سوى ضحايا حرب إبادة، يبحثون عن ملاذ آمن. وفي ظل صمت حكومي هندي ورفض الرد على الاستفسارات الإعلامية، يبقى مصير عشرات الآلاف من الروهينجا معلّقاً بين البحر والحدود.
“نريد فقط أن نُعامل كبشر”، يقول أحد اللاجئين وهو يحاول أن يخفي دموعه. جملة تختصر معاناة أمة بكاملها، وفضيحة إنسانية تضع الهند تحت مجهر العالم، بين قيمها الديمقراطية المعلنة وسياساتها الواقعية على الأرض.