جاء قرار حاكم الإمارات محمد بن زايد، بالانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك ومنظمة اوبك+ ومنظمة الدول العربية للمنتجة للنفط أوابك، ليفتح الباب أمام تساؤلات عديدة عن الهدف من هذا القرار وهو المقصود منه توجيه ضربة للمملكة العربية السعودية اللاعب الأساسي داخل المنظمة الدولية المنتجة للنفط ،في ظل توتر العلاقات بين أبو ظبي والرياض.
فيما نظر البعض الي القرار، وان كان بوتيرة أقل ،باعتباره موجها لإيران باعتبارها متضررا كبيرا من أي اضطرابات في أسواق النفط في ظل تعرض الإمارات لضربات أكثر شراسة من إيران بالمقارنة مع بلدان خليجية أخري ، خلال حرب الـ 40يوما بين إيران من جانب وأمريكا وإسرائيل من جانب أخر وفي تأكيد علي رهان أبو ظبي علي توثيق عري التحاف مع الكيان الصهيوني والابتعاد عن محيطها العربي والإسلامي .
الانسحاب من الجامعة و التعاون الإسلامي
لعل ما زاد الطين بلة تردد إنباء عن ان ابو ظبي تفكر بجدية في الانسحاب من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ،وكذلك مجلس التعاون الخليجي في تأكيد علي استمرار التباين في السياسات بين أبوظبي وعواصم خليجية عديدة مستاءة من رهان أبوظبي المستمر علي تل أبيب بغض النظر عن مخاطر التمدد الصهيوني علي الأمن القومي لدول الخليج .
ومن المهم الإشارة هنا إلي الانسحاب من اوبك يختلف جذريًا عن الجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي، فأوبك منظمة اقتصادية تقنية تهدف إلى تنسيق سياسات إنتاج النفط، بينما الجامعة العربية إطار سياسي إقليمي، ومنظمة التعاون الإسلامي إطار أوسع يعكس هوية دينية وجيوسياسية.

ومن ثم فانسحاب دولة من منظمة اقتصادية قد يحدث بدوافع تتعلق بالمصالح الإنتاجية أو خلافات على الحصص، لكن الانسحاب من أطر سياسية أو حضارية يحمل تكلفة رمزية واستراتيجية أعلى بكثير.
وفي هذا السياق اتسمت سياسة محمد بن زايد آل نهيان خلال السنوات الأخيرة اتسمت بقدر من الاستقلالية وإعادة تعريف التحالفات، سواء عبر توسيع العلاقات مع قوى دولية مثل الصين وروسيا، أو عبر اتفاقيات إقليمية مثل اتفاقيات أبراهام. هذا النهج يعكس رغبة في تنويع الخيارات وتقليل الاعتماد على الأطر التقليدية، لكنه لا يعني بالضرورة التخلي الكامل عنها.
بين الاستقلال والعزلة
بالنسبة لاحتمال الانسحاب من الجامعة العربية، يبدو ضعيفًا للغاية حيث تستفيد الإمارات من هذه المنصة في إدارة علاقاتها العربية، وتستخدمها أحيانًا لتعزيز مواقفها الإقليمية، خاصة في ملفات مثل ليبيا والسودان واليمن.
لذا يبدو واضحا أن الخروج من الجامعة سيعني فقدان قناة تأثير جماعي، وهو أمر لا يتماشى مع طموح أبوظبي في لعب دور قيادي عربي.
أما منظمة التعاون الإسلامي، فالأمر أكثر حساسية. الانسحاب منها قد يُفهم كابتعاد عن الإطار الإسلامي الجامع، وهو ما قد يثير ردود فعل شعبية ورسمية في العالم الإسلامي. رغم أن بعض سياسات الإمارات – مثل التطبيع مع إسرائيل – أثارت جدلًا داخل المنظمة، إلا أن أبوظبي لم تصل إلى حد القطيعة، بل تحاول الموازنة بين مصالحها السياسية والاقتصادية وصورتها في العالم الإسلامي.
فيما يتعلق بحجم المعارضة داخل الإمارات نفسها لسياسات بن زايد، من المهم فهم طبيعة النظام السياسي ،فالإمارات اتحاد فيدرالي، لكن السلطة الفعلية مركزة بدرجة كبيرة في أبوظبي. لا توجد معارضة سياسية علنية بالمعنى التقليدي، والخلافات – إن وجدت – تُدار داخل النخبة الحاكمة بعيدًا عن الإعلام. قد تكون هناك تباينات في وجهات النظر بين بعض الحكام، خاصة فيما يتعلق بوتيرة الانفتاح أو طبيعة التحالفات، لكنها نادرًا ما تتحول إلى صراع معلن
ورغم خروج بعض التسريبات تفيد باستياء حاكم دبي محمد بن راشد وحاكم الشارقة سلطان بن محمد القاسمي من ممارسات بن زايد إلا أن هذه المعارضة لم تخرج للعلن حتي الآن رافضة قطع الصلات مع المحيطين الخليجي والعربي مع الوضع في الاعتبار أن استمرار هذه الصمت لن يطول في ظل إصرار ابن زايد علي الاستمرار في مقامراته دون ان يعبأ برد فعل غاضب من حكام الدولة ..

وعلي الصعيد الاقتصادي تبدو ، الإمارات – وخاصة أبوظبي – قد نجحت في تنويع مصادر دخلها، ما يمنحها مرونة في اتخاذ قرارات جريئة. لكن هذا لا يعني أنها ستغامر بعزل نفسها عن المنظومات الإقليمية، لأن جزءًا من قوتها يأتي من قدرتها على العمل داخل شبكات متعددة في آن واحد، وليس خارجها بشكل يفتح الباب للقول ان هذه الخطوات قد تكون تكتيكية قد تفتح اابا امام تراجع عنها في المستقبل المنظور .
ولعل ما يعزز هذا الطرح عن ‘مكانية التراجع عن قرارات كبيرة مثل الانسحاب من منظمة دولية، فهي دائمًا قائمة إذا ثبت أن التكلفة تفوق الفائدة.
البراجماتية واحتمالات التراجع
فالسياسة الخارجية الإماراتية تتمتع بقدر عال من البراجماتية إلى حد كبير؛ فإذا واجهت ضغوطًا اقتصادية أو سياسية، أو رأت أن العودة تحقق لها مكاسب، فلن تتردد في إعادة التموضع. هذا ما رأيناه في ملفات إقليمية عدة، حيث انتقلت أبوظبي من التصعيد إلى التهدئة عندما تغيرت المعطيات.
من هنا يجدر بنا القول ، السيناريو الأقرب للواقع ليس انسحابًا متسلسلًا من المنظمات، بل استمرار الإمارات في سياسة “العمل من الداخل مع الحفاظ على هامش استقلال واسع”. أبوظبي تدرك أن القوة في النظام الدولي الحالي لا تأتي فقط من الاستقلال، بل من القدرة على المناورة داخل التحالفات المختلفة.
لذلك فأن أي خطوة بحجم الخروج من الجامعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي ستظل خيارًا بعيد الاحتمال، إلا في حالة تغيرات جذرية في البيئة الإقليمية والدولية..


