تبرز المعطيات التحليلية الصادرة عن مراكز الفكر وصنع القرار في القارة العجوز تناقضاً حاداً في بنية الموقف الأوروبي تجاه التحولات الجارية في منطقة الشرق الأوسط.
ففي حين تترقب العواصم الأوروبية بحذر شديد مخرجات أي تقارب دولي لتهدئة الأوضاع، يظهر جلياً حجم الفجوة بين كون أوروبا الجبهة الأكثر تأثراً بتبعات التوترات الإقليمية، وبين تراجع ثقلها الدبلوماسي لتبدو الطرف الأضعف والأقل تأثيراً في صياغة خرائط السلام أو حجز مقعد فاعل على طاولات التفاوض الإستراتيجي الكبرى.
العواصم الأوروبية من مقاعد المتفرجين
يبدي الاتحاد الأوروبي ترحيباً واسعاً بأي مسارات تقود لإنهاء الصراعات المسلحة أو التوصل لتفاهمات نووية طارئة، مدفوعاً بظلال المخاوف الكثيفة من تداعيات الحروب المفتوحة على أمن الطاقة وموجات اللجوء غير الشرعي نحو حدوده.
ورغم هذا الارتياح، يسود الأوساط السياسية في بروكسل إحباط عميق جراء تهميش دورها الدبلوماسي وإقصائها التام عن كواليس المباحثات الحيوية، مما يعزز الاستنتاجات التي تتحدث عن دخول القارة في مرحلة “الإفلاس الإستراتيجي” وعجزها الهيكلي عن بلورة سياسة خارجية مستقلة بعيداً عن العباءة الأمريكية.
الحصاد المالي لسلام الممرات المائية
على الصعيد المالي، تتصدر حماية شبكات الملاحة البحرية في البحر الأحمر وتأمين تدفق التجارة عبر قناة السويس قائمة المكاسب الأوروبية المباشرة، بعدما تكبدت قطاعات الشحن واللوجستيات في القارة خسائر فادحة بمليارات اليورو نتيجة الاضطرابات.
ويسهم استقرار المنطقة في تأمين إمدادات الطاقة الحيوية التي تعول عليها أوروبا لتعويض غياب الغاز الروسي.
أما على الجانب السياسي، فإن الخسائر تبدو فادحة؛ إذ يرى مراقبون أن تمرير التفاهمات بمعزل عن إرادة القارة يبرهن على افتقارها للسيادة الإستراتيجية واضطرارها لتجرع قرارات واشنطن وتل أبيب حتى وإن تقاطعت مع مصالحها، مما ينعكس في تصاعد الأصوات الداخلية المطالبة بإنشاء قوة عسكرية أوروبية مستقلة ذاتياً.
براغماتية حذرة مع طهران وشروخ صامتة مع إسرائيل
تتجه الدول الأوروبية الكبرى لاستغلال أجواء التهدئة الإقليمية ببراغماتية واضحة عبر محاولة فتح قنوات اتصال مع إيران تركز على مجالات ملفات حقوق الإنسان وتنشيط التبادل التجاري في السلع والقطاعات غير المدرجة تحت طائلة العقوبات الدولية، مع الإبقاء على نبرة التحذير المتشددة والمعلنة تجاه برامج طهران الصاروخية والباليستية.
وفي المقابل، تشهد أروقة ومكاتب صنع القرار في بروكسل وباريس وبرلين تآكلاً صامتاً ومستمراً في مستويات التوافق مع التوجهات الإسرائيلية.
ويتولد ارتياح مكتوم لدى القادة الأوروبيين من احتمال إبرام اتفاق يتجاوز التحفظات والاعتراضات الإسرائيلية، كونه يسهم في تبريد بؤرة التوتر الأساسية في المنطقة، رغم الاضطرار للإبقاء على الخطاب الدبلوماسي التقليدي الداعم لأمن إسرائيل، مما يوضح اتساع الهوة بين الضرورات الاقتصادية والأمنية للقارة وبين استمرار التصعيد.


