في لحظة فارقة من تاريخ العلاقات الضاربة في الجذور بين ضفتي المتوسط، لم تعد الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي مجرد بروتوكولات تجارية تقليدية، بل تحولت إلى “تحالف استراتيجي” يستشرف آفاق القرن الحادي والعشرين.
وبكلمات حاسمة، أعلنت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، عن تدشين مرحلة “ما بعد التوترات القارّية”، حيث تسعى بروكسل للاحتماء بظلال “الاستقرار المغربي” وسط إقليم تتقاذفه الأمواج.
إننا أمام إعادة صياغة كاملة للعلاقة، تنتقل من “التعاقد من الباطن” إلى “الشراكة المتكافئة”، فهل تصبح الرباط نداً استراتيجياً لبروكسل في ملفات الطاقة الرقمية والسيادة الخضراء، متجاوزةً فخاخ الارتياب القانوني لتضع “ناصية القارة السمراء” في قلب القرار الأوروبي؟ التقرير التالى يجيب:
ملامح العبور نحو الابتكار المشترك
كشفت كايا كالاس عن خريطة طريق طموحة تستهدف توسيع نطاق التعاون ليشمل قطاعات سيادية واعدة، تضع المغرب في مركز “المختبر الإقليمي” للرقمنة والطاقات المتجددة.
ولم يعد الاستثمار الأوروبي في الحقول الريحية على الساحل الأطلسي مجرد أرقام للميغاوات، بل تحول إلى شريان حياة اقتصادي يخلق فرص العمل المحلية ويدعم الشبكة الوطنية المغربية.
وتؤكد التقارير الاقتصادية الدولية أن قيمة المبادلات التي بلغت 650 مليار درهم -أي خمسة أضعاف ما كانت عليه في مطلع الألفية- ليست سوى قاعدة انطلاق لمرحلة “الاستثمار الذكي”.
ويسعى الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأول للمملكة، إلى ضخ مليارات اليورو عبر “الميثاق من أجل المتوسط” لتمويل أكثر من 100 مشروع تكنولوجي ولوجستي، مما يجعل من المغرب “مركزاً إقليمياً” (Hub) لا غنى عنه لاستقرار القارة العجوز.
الصحراء المغربية
في ملف الوحدة الترابية، قدمت كالاس رؤية تتسم بالواقعية السياسية والتحصين القانوني؛ حيث أكدت أن تمديد الأفضليات التعريفية للمنتجات الصادرة من الأقاليم الجنوبية للمغرب تم تصميمه بـ “مشرط الجراح” ليتماشى مع قرارات القضاء الأوروبي، بهدف قطع الطريق على أي “ارتياب قانوني” قد يفرمل تدفق الاستثمارات.
وشددت المسؤولة الأوروبية على أن الهدف الأسمى هو منح الشركات الأوروبية “إطاراً شفافاً” يحظى بالثقة الكاملة، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي يرى في الحل السياسي تحت مظلة الأمم المتحدة السبيل العادل والوحيد للمضي قدماً.
هذا التوجه يعكس وعياً أوروبياً متزايداً بأن استقرار الاستثمارات في الصحراء هو جزء لا يتجزأ من الاستقرار الكلي للمنطقة، وهو ما يفسر الإجماع الذي أبداه وزراء خارجية الدول الأعضاء في يناير الماضي لدعم هذه المرحلة الجديدة من التعاون الاستراتيجي.
المغرب شريك الضرورة
توقفت وكالات الأنباء العالمية والصحف الاقتصادية الكبرى عند وصف كالاس للمغرب بأنه “شريك ضروري ومهم”، وهو ما يراه الخبراء الدوليون تحولاً من منطق “المساعدة” إلى منطق “المصلحة الوجودية المشتركة”.
ويشير المحللون في مراكز الأبحاث ببروكسل إلى أن التحديات الأمنية المشتركة، بدءاً من مكافحة الإرهاب وصولاً إلى إدارة تدفقات الهجرة، جعلت من المغرب الركيزة الوحيدة التي يمكن لأوروبا الرهان عليها في جنوب المتوسط.
ويرى الخبراء أن “الميثاق من أجل المتوسط” ليس مبادرة “مستوردة من بروكسل”، بل هو نتاج حوار رفيع المستوى احتضنه المغرب، مما يمنحه صبغة “السيادة المشتركة”.
إن الرسالة الواضحة التي وصلت للعالم هي أن الإرادة السياسية بين الرباط وبروكسل باتت أقوى من أي مناوشات قضائية، وأن “الضمانة الحقيقية” لاستمرار هذه الشراكة هي الوعي المتبادل بأن كلاً من الطرفين يجعل الآخر أكثر قوة في مواجهة تقلبات النظام العالمي الجديد.


