في تطور يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية السياسية، صنّف مؤشر الهشاشة الانتخابية الصادر عن مؤسسة كوفي عنان، ليبيا ضمن قائمة تضم 15 دولة تُعد الأكثر عرضة لاحتمال وقوع عنف مرتبط بالانتخابات خلال الفترة 2026–2027، واضعاً إياها في المرتبة الثانية عشرة عالمياً إلى جانب دول مثل الصومال وروسيا وإثيوبيا والمكسيك. ولم يقتصر الخطر على الجانب الأمني فحسب، بل أدرج المؤشر ليبيا في المرتبة الثامنة عالمياً من حيث المخاطر الرقمية المرتبطة بالانتخابات، بسبب انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي الذي يفاقم الاستقطاب السياسي. ومع ذلك، لا يرى خبراء أن هذا التصنيف يعني استحالة إجراء الانتخابات، بل يضعها ضمن مسار مشروط يتطلب إصلاحات سياسية وأمنية وتشريعية، حيث يشير الباحث محمد أمطيريد إلى أن التجربة الليبية أثبتت أن الأزمة لا تنفجر عادة يوم التصويت بل بعد إعلان النتائج، كما حدث في انتخابات 2014 عندما أدت النتائج إلى مواجهات مسلحة واسعة وانقسام البلاد بين حكومتين في الشرق والغرب.
الحوار المهيكل: توصيات غير ملزمة تواجه عقبات مؤسسية
على الجانب الآخر، اختتمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أعمال “الحوار المهيكل” في 7 يونيو 2026 بعد ستة أشهر من المناقشات، بمشاركة 120 عضواً يمثلون مختلف التيارات السياسية والبلديات والأحزاب والجامعات، وناقش الحوار الذي انطلق في ديسمبر 2025 أربعة مسارات رئيسية هي: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان. وأسفر الحوار عن وثيقة ختامية دعت إلى تشكيل لجنة مشتركة بين مجلسي النواب والأعلى للدولة لاستكمال التعديلات الدستورية والقوانين اللازمة لإجراء الانتخابات، مع اللجوء إلى لجنة حوار سياسي موسعة إذا تعذر التوافق، وأخيراً الاستفتاء الشعبي إذا استمر التعثر، كما تضمنت الوثيقة فرض عقوبات متصاعدة على معرقلي العملية السياسية تبدأ بالتنبيه الرسمي وتصل إلى الإحالة للقضاء أو الجهات الدولية المختصة. لكن مخرجات الحوار تظل توصيات غير ملزمة، وهو ما أقرت به المبعوثة الأممية هانا تته، حيث لا يمكن فرضها على السلطات الحاكمة، كما أن بعض أعضاء مسار الحوكمة أعلنوا رفضهم لهذه التوصيات واعتبروها مساساً بالسيادة الوطنية الليبية.
تحديات أمنية واقتصادية تعمق الأزمة
على المستوى الأمني، تواصل التشكيلات المسلحة تفاقم حالة الفوضى، حيث حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في 26 مايو 2026 من استمرار حشد الميليشيات في مدينة الزاوية والمناطق المحيطة بها، إلى جانب ارتفاع مقلق في حوادث الاغتيال، مما ينذر بإشعال موجة جديدة من العنف وتعريض المدنيين للخطر. ففي 8 مايو 2026 وحده، قُتل 10 أشخاص وأصيب أكثر من 20 في اشتباكات مسلحة بالزاوية بعد أن شنت السلطات المحلية عملية أمنية ضد الجماعات الإجرامية، وفي 30 مايو قُتل شخص وأصيب اثنان في اشتباكات جديدة، بينما استمرت حوادث الاغتيال والتفجيرات التي تطال مقار الميليشيات في العاصمة طرابلس. وتشير تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى أن التنافس بين الفاعلين المسلحين على النفوذ والسيطرة على الأراضي والوصول إلى موارد الدولة يقوض الأمن ويُضعف مؤسسات الدولة ويعرقل مسار السلام.
تحليل الموقف الاقتصادي: أرقام تهدد مستقبل ليبيا
على الرغم من ارتفاع عائدات النفط التي سجلت أكثر من 3.7 مليار دولار في مايو 2026 بفضل الإنتاج الذي تجاوز 1.4 مليون برميل يومياً، فإن المؤشرات الاقتصادية الكلية تكشف عن وضع كارثي لا تحتمل معه البلاد أي تأخير إضافي في الإصلاحات. فبحسب تقييم المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي الصادر في أبريل 2026، بلغ عجز الميزانية نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، وتضاعف الدين العام تقريباً خلال عامين ليصل إلى 146% من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع التضخم إلى مستويات مزدوجة الأرقام ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين. بل إن فاتورة دعم الطاقة وحدها تُقدر بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تمثل كتلة الأجور في القطاع العام حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى النسب في العالم، مما يجعل المسار المالي الحالي غير مستدام على الإطلاق. ويحذر صندوق النقد الدولي من أن الاعتماد المستمر على تخفيض سعر الصرف والتدابير الإدارية واستنزاف الاحتياطيات سيكلف البلاد استمرار التضخم المرتفع واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية وضعف القطاع الخاص. ورغم أن البنك الأفريقي للتنمية يتوقع نمواً اقتصادياً بنسبة 6.5% خلال 2026، فإن هذا النمو مرهون باستقرار الوضع الأمني وإنتاج النفط، كما أن القيود المتعلقة بالبنية التحتية والتحديات الأمنية قد تحد من حجم هذا الأثر الإيجابي.
بين أرقام التصنيف الدولي وخراب الاقتصاد، صناديق الاقتراع هي النافذة الأخيرة
الخلاصة الجوهرية أن مؤشر الهشاشة الانتخابية الذي وضع ليبيا في المرتبة الثانية عشرة عالمياً ليس مجرد تقرير أكاديمي، بل هو إنذار مبكر يعكس حقيقة مرة: فليبيا تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما. فمن ناحية، تواصل البلاد دفع فاتورة باهظة للانقسام السياسي تتمثل في عجز مالي يصل إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي ودين عام مضاعف يهدد بإفلاس الدولة، وتضخم ينهك المواطن العاجز أصلاً عن توفير قوت يومه. ومن ناحية أخرى، فإن البيئة الانتخابية شديدة الهشاشة تحذر من أن أي انتخابات تُجرى دون توافق مسبق على قواعد اللعبة وآليات تسليم السلطة قد تؤدي إلى انفجار أوسع مما حدث في 2014. لكن المخرج الوحيد من هذه الدوامة هو خوض غمار الانتخابات رغم كل المخاطر، لأن استمرار الوضع الحالي يعني استمرار تآكل ما تبقى من مقومات الدولة، واستمرار هدر العائدات النفطية في موازنة عجز تتضخم فيها أجور القطاع العام ودعم الطاقة على حساب الصحة والتعليم والبنية التحتية. صحيح أن الطريق إلى صناديق الاقتراع محفوف بالمخاطر، كما يؤكد التصنيف الدولي، لكن البديل هو الغرق في مستنقع أعمق من الفساد والعجز والانقسام. إن وثيقة الحوار المهيكل تمثل خريطة طريق، والتوصيات التي خرج بها 120 ليبيًا وليبية تمثل إرادة وطنية، والانتخابات البلدية التي حققت نسبة مشاركة 71% في أغسطس 2025 أثبتت أن الليبيين لا زالوا يؤمنون بالصندوق رغم كل الصدمات. ليبيا اليوم أمام فرصة أخيرة: إما انتخابات تعيد بناء الدولة ولو على أنقاض الهشاشة، أو استمرار الانقسام الذي سيدفع الاقتصاد إلى الهاوية التي لا تحتمل تأجيلاً آخر.


