يشهد المشهد الأمني في مالي خلال الأيام القليلة الماضية وتحديدا منذ هجوم السبت الدامي علي باماكو وكيدال تصعيدًا لافتًا مع تزايد هجمات الجماعات المسلحة، وعلى رأسها تحالفات بين عناصر من الطوارق وتنظيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي علي السلطة في مالي وحلفائها الروس .
التطورات الأخيرة في مالي أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في البلاد، خاصة في ظل الضغوط الميدانية والسياسية المتزايدة، علي هذا الوجود والتي كانأخرها الاتفاق علي سحب الفيلق الروسي من مدينة كيدال الاستراتيجية ومدى قدرة موسكو على الصمود أمام هذا التحدي المعقد.
ومن المهم الإشارة هنا إلي أنه منذ انسحاب القوات الفرنسية التي كانت تقود عملية برخان، وجدت مالي نفسها أمام فراغ أمني حاولت ملأه عبر تعزيز علاقاتها مع روسيا، التي أرسلت مستشارين عسكريين وعناصر من شركة فاجنر قبل حلها وتحويل أسمها للفيلق الروسي لدعم الجيش المالي.
استهداف الفيلق الروسي
وبحسب مراقبين فإن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الشركاء الأمنيين، بل مثّل إعادة تشكيل لمعادلة النفوذ في منطقة الساحل التي حاول الدب الروسي التحول للاعب أساسي فيها خلال السنوات القليلة الماضية ..
غير أن الهجمات الأخيرة التي نفذتها الجماعات المرتبطة بـتنظيم القاعدة، بالتعاون مع فصائل طوارقية تسعى لاستعادة نفوذها في شمال البلاد، كشفت عن تحديات عميقة تواجه هذا الوجود.

ومما يزيد الأوضاع خطورة أن هذه الجماعات لا تستهدف فقط القوات الحكومية، بل تسعى أيضًا إلى ضرب المصالح الروسية، باعتبارها داعمًا رئيسيًا للنظام في مالي.
حرب العصابات وتعقيدات الجغرافيا
لذا فإن أبرز السيناريوهات المطروحة يتمثل في أن تؤدي هذه الهجمات إلى إنهاك القوات المدعومة من روسيا، وبالتالي تقويض قدرتها على الاستمرار لاسيما أن الهجمات الأخيرة في مالي اتسمت بطبيعة غير تقليدية، حيث تعتمد الجماعات المسلحة على حرب العصابات، والمعرفة الجغرافية الدقيقة، والدعم المحلي في بعض المناطق.
من البديهب أن هذه العوامل تجعل من الصعب على أي قوة خارجية، بما في ذلك روسيا، تحقيق نصر حاسم علي هذه الجماعات التي تكتسب أرضية يوما بعد يوم بعد سيطرتها علي مناطق في الشمال والوسط وبل السعي لاستهداف العاصمة باماكو في جنوب البلاد ..
لكن في المقابل، لا يمكن التقليل من قدرة موسكو على التكيف مع هذه الضغوط فموسكو تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع التمردات المسلحة، سواء في الشيشان أو في ساحات أخرى مثل سوريا.
وستمكنها هذه الخبرة بل شك من تطوير استراتيجيات أكثر فاعلية في مواجهة التهديدات في مالي، خاصة من خلال الاعتماد على العمليات الخاصة، والدعم الاستخباراتي، وتعزيز قدرات الجيش المالي.
ومن ثم فإن الوجود الروسي في مالي لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى مصالح اقتصادية واستراتيجية، مثل الوصول إلى الموارد الطبيعية وتعزيز النفوذ في أفريقيا. هذه المصالح تجعل من غير المرجح أن تتخلى موسكو بسهولة عن موقعها في مالي، حتى في ظل تصاعد الهجمات.
سيناريوهات الوجود الروسي
من هنا فإن هناك عوامل قد تدفع روسيا لإعادة تقييم وجودها. من بينها الكلفة البشرية والمادية المتزايدة، والضغوط الدولية، فضلاً عن تعقيد المشهد الداخلي في مالي، حيث تتداخل الصراعات العرقية مع الأيديولوجيات المتطرفة انطلاقا من أن أي فشل واضح في تحقيق الاستقرار قد ينعكس سلبًا على صورة روسيا كقوة قادرة على توفير الأمن لحلفائها.
أما بالنسبة لاحتمالات نجاح الجماعات المسلحة في إنهاء الوجود الروسي، فهي تظل محدودة على المدى القريب، لكنها ليست مستحيلة على المدى البعيد.
فنجاح هذه الجماعات يعتمد على قدرتها على توحيد صفوفها، والحفاظ على زخم العمليات، واستغلال أي أخطاء ترتكبها القوات المدعومة من روسيا.

في المقابل، قد تلجأ موسكو إلى تصعيد وجودها بدلًا من الانسحاب، من خلال إرسال مزيد من الدعم العسكري أو إعادة هيكلة انتشار قواتها فضلا عن العمل على تعزيز التحالف مع الحكومة المالية، وتوسيع نطاق العمليات المشتركة، بهدف استعادة زمام المبادرة.
ويمكن القول في هذا السياق المتوتر إن مستقبل الوجود العسكري الروسي في مالي سيظل رهينًا بتوازن دقيق بين الضغوط الميدانية والمصالح الاستراتيجية.
فبينما تسعى الجماعات المسلحة إلى استنزاف هذا الوجود وإجباره على الانسحاب، تعمل موسكو على تثبيت أقدامها وتعزيز نفوذها. وبين هذين الاتجاهين، تبقى مالي ساحة مفتوحة لصراع معقد، قد يستمر لسنوات قادمة دونأن ينج أي من الأطراف في فرض كلمته ..


