في وقت يقف فيه الشرق الأوسط على حافة هاوية سحيقة، وبروز مؤشرات على تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة شاملة، أطلقت الصين صرخة دبلوماسية مدوية من أروقة الأمم المتحدة.
وحذرت من أن سوريا باتت “الحلقة الأضعف” التي قد يؤدي اشتعالها إلى انهيار المنظومة الأمنية الإقليمية بالكامل.
وبينما تنشغل القوى العظمى بتوزيع مناطق النفوذ، ترى بكين أن استقرار دمشق ليس مجرد شأن داخلي، بل هو صمام أمان اقتصادي وسياسي لمنع تمدد النيران نحو ممرات التجارة والطاقة الحيوية.
إن الدعوة الصينية لتحييد الجغرافيا السورية عن الصراعات المجاورة تعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن “الهشاشة السورية” الحالية تمثل لغماً جيوسياسياً قد ينفجر في وجه الجميع إذا لم يتم احتواؤه بجهد دولي منسق يتجاوز لغة الرصاص إلى منطق التسويات الشاملة.
بين فكي التوتر وتحدي الامتداد الإقليمي
شدد المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة، فو تسونغ، على أن استمرار الأزمات المتلاحقة في الجوار السوري يضيف تعقيدات بالغة الخطورة على واقع البلاد المهتز أصلاً.
وأكد أن التداعيات الإقليمية لم تعد مجرد احتمالات بل أصبحت واقعاً يهدد باختطاف الأمن السوري.
ودعت بكين عبر منبرها الدولي كافة الأطراف الفاعلة إلى ضرورة اقتناص “نافذة السلام” المتاحة حالياً، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس السياسي قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.
وترى الدبلوماسية الصينية أن الانزلاق نحو الحرب أو السلام في المنطقة بات يعتمد على مدى إخلاص القوى الدولية في عزل الملف السوري عن الصراعات الموازية، والعمل على وقف شامل ودائم لإطلاق النار يحمي الدولة السورية من أن تصبح مجرد “صندوق بريد” للرسائل العسكرية بين القوى المتنازعة.
ملكية سورية وإصلاح داخلي
وفيما يتعلق بمسار الانتقال السياسي، طرحت بكين رؤية تقوم على مبدأ “القيادة والملكية السورية” الخالصة، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي أثبتت فشلها على مدار العقد الماضي.
ودعت الصين الأطراف السورية كافة إلى الانخراط في حوار مكثف يهدف إلى تحقيق مصالحة وطنية حقيقية تضمن حقوق ومصالح جميع الفئات المجتمعية دون استثناء.
وتؤكد الرؤية الصينية أن استعادة الاستقرار تمر حتماً عبر بوابة القضاء على الجماعات الإرهابية وتجنب سياسة “ازدواجية المعايير” في تصنيف الإرهاب، معتبرة أن مسؤولية الحكومة الانتقالية السورية تكمن في الوفاء بالتزاماتها الدولية ضد المنظمات المصنفة إرهابياً، لضمان عدم عودة العنف الواسع الذي قد يجهض أي محاولة للإعمار أو الاستقرار المستدام.
السيادة الوطنية ووقف الانتهاكات
لم تخلُ الدعوة الصينية من رسائل حادة تجاه التحركات العسكرية الأجنبية على الأرض السورية، حيث طالبت بكين بالوقف الفوري للضربات الإسرائيلية في الجنوب السوري ومنطقة الفصل.
واعتبرتها خرقاً صريحاً للقانون الدولي واتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وأكدت الصين أن احترام استقلال سوريا ووحدة أراضيها ليس مجرد شعار، بل هو المبدأ الأساسي الذي يجب أن ينطلق منه أي حل سياسي.
ودعت إلى انسحاب كافة القوات الأجنبية غير المشروعة من الأراضي السورية.
وتأتي هذه المطالبات في وقت تسعى فيه بكين لتعزيز دورها كـ “وسيط سلام” موثوق، مستعدة للعمل مع المجتمع الدولي لإعادة ترتيب أوراق المنطقة، بما يضمن استعادة سوريا لمكانتها كدولة مستقرة في قلب الشرق الأوسط بعيداً عن سياسة المحاور والصدامات المسلحة.


