لم تعد الحرب في غزة وجنوب لبنان مجرد مواجهة عسكرية تدار بالصواريخ والمسيرات، بل تحولت في كواليسها المظلمة إلى سوق استثمارية ضخمة تديرها شركات مقاولات مدنية برعاية رسمية من وزارة الدفاع الصهيونية للكيان.
في تقرير استقصائي كشف النقاب عن تفاصيله المرعبة في أبريل 2026، تبين أن أنقاض المنازل المنهارة لم تعد مجرد ركام، بل أصبحت “عملة صعبة” في جيوب مقاولين يتقاضون أجورهم بالقطعة.
ويمتزج صرير الجرافات بأصوات عدادات الأموال في مشهد يضرب بعرض الحائط كافة المواثيق والأعراف الدولية التي تجرم تدمير الأعيان المدنية لتحقيق مكاسب تجارية.
1500 دولار للمنزل الواحد
كشفت التحقيقات الصحفية التي قادتها صحيفة “هآرتس” العبرية، ونقلتها وكالات الأنباء العالمية كالأناضول ورويترز، عن وجود “نظام دفع” ممنهج ومثير للدهشة؛ إذ يتقاضى المقاول المدني ما يعادل 1500 دولار أمريكي (نحو 5 آلاف شيكل) مقابل تدمير كل مبنى سكني.
ولا يتوقف الأمر عند الأجور الثابتة، بل يمتد ليشمل “مكافآت إنجاز” مرتبطة بعدد الوحدات التي يتم تسويتها بالأرض، في شراكة لوجستية كاملة يوفر فيها جيش الكيان الصهيونى الوقود والحماية الأمنية، بينما يتولى “القطاع الخاص” مهمة التدمير الميداني.
وبحسب شهادات ميدانية لمقاولين، فإن شهية الهدم تجاوزت المناطق المحددة عسكرياً لتشمل أحياءً كاملة، تحت إغراء الأرباح السريعة التي تجعل من “التدمير” صناعة تفوق في ربحيتها “البناء”.
من “ريفيرا غزة” إلى “الفخ العقاري”
هذا التحول الميداني نحو التدمير الممنهج لم يكن وليد الصدفة، بل يتقاطع بشكل صارخ مع “الرؤية العقارية” التي طرحها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، حين وصف غزة بأنها “واجهة بحرية ذات قيمة هائلة” في حال تم “تنظيفها” وإجلاء سكانها.
هذه الرؤية التي اختزلت الصراع الوجودي في مجرد “نزاع عقاري”، بدأت تتبلور عملياً عبر مشاريع إعادة إعمار تتجاوز قيمتها 112 مليار دولار، تهدف لتحويل أنقاض القطاع إلى “ريفيرا الشرق الأوسط”.
إن الربط بين جرافات المقاولين في 2026 وبين تصريحات كوشنر في 2024 يكشف عن خطة استراتيجية لتحويل التهجير القسري إلى واقع استثماري مفروض بقوة الجرافة قبل قوة السلاح.
أرقام تفضح سياسة الأرض المحروقة
تتحدث الأرقام الموثقة من صور الأقمار الصناعية وتحليلات “نيويورك تايمز” عن واقع مأساوي؛ إذ تم هدم أكثر من 2500 مبنى في غزة حتى بعد سريان اتفاقات وقف إطلاق النار، بينما في لبنان، تشير بيانات المركز الوطني للبحوث العلمية إلى تدمير ما يزيد عن 62 ألف وحدة سكنية في غضون أسابيع قليلة.
هذا النطاق الواسع من التدمير، الذي وثقه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في أبريل 2026، يؤكد أن الاستعانة بمقاولين مدنيين ليس ضرورة عسكرية، بل هو “غطاء خصخصة” لجرائم حرب تهدف لتغيير الديموغرافيا وتهجير السكان بشكل نهائي تحت ذريعة “التطوير العقاري”.
غياب المساءلة في عصر الخنوع السياسى
يبرز التقرير الأخير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” حقيقة مرة: إن إضفاء الطابع التجاري على عمليات الهدم يخلق حوافز مالية تضمن استمرارية التدمير حتى بعد صمت المدافع.
ومع غياب الرقابة الدولية الفاعلة، يظل “جيش المقاولين” يعمل بعيداً عن طائلة القانون- ان كان هناك قانون يحترم-، محولاً مآسي العائلات المشردة إلى أرصدة بنكية متضخمة.
إن ما يحدث في غزة وجنوب لبنان اليوم هو تحذير للعالم أجمع من مغبة تحول الحروب إلى “سوق مفتوح” للمقاولين، حيث تصبح حقوق الإنسان مجرد عقبة في طريق جرافة تسعى لرفع قيمة “العقار” على حساب “الأرواح”.


