يعد كتاب “حرب المباغتة” للعقيد الفرنسي ألبرت ميرغلن من الدراسات العسكرية المتخصصة التي تتناول فن المباغتة بوصفه سلاحاً حاسماً في الصراعات العسكرية عبر العصور.
صدر الكتاب باللغة الفرنسية عام 1966 تحت عنوان La Guerre de l’inattendu، ثم تُرجم إلى الإنجليزية عام 1968 بعنوان Surprise Warfare، وصدرت الترجمة العربية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 1989 بترجمة المقدم بسام العسلي.
يمتد الكتاب على 300 صفحة، ويصنف ضمن علوم الاستراتيجية العسكرية والحرب غير التقليدية والعمليات الخاصة.
مقدمة
يقدم العقيد ألبرت ميرغلن في كتابه “حرب المباغتة” أطروحة مفادها أن المباغتة تظل في طليعة الأسلحة التي يتسلح بها المقاتل للقضاء على خصمه وتدمير عدوه، رغم تطور التكنولوجيا العسكرية وتعقد وسائل القتال.
يرى المؤلف أن الأبحاث والدراسات العصرية عكفت على تحقيق هدف مزدوج يتمثل في تطوير المباغتة من جهة، وإنقاص تأثيرها من جهة أخرى، مما يجعلها ميداناً للتنافس المستمر بين المقاتل والمدافع.
ويستعرض الكتاب من خلال خمسة عشر فصلاً مجموعة واسعة من العمليات العسكرية التاريخية التي اعتمدت على عنصر المباغتة، بدءاً من حرب العصابات في كوبا في القرن التاسع عشر، مروراً بعمليات المظليين الألمان في الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى العمليات البرمائية والجوية في مختلف مسارح الحرب.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يدور الكتاب حول أن المباغتة، رغم تطور وسائلها التكنولوجية، تظل في جوهرها قائمة على الخداع والتمويه كما كانت عليه منذ آلاف السنين.
غير أن المباغتة البدائية التي ارتبطت بقدرة المقاتل على خداع الخصم وتضليله أصبحت اليوم أشد تعقيداً، وتتطلب قدرات إبداعية متطورة من القادة والمنفذين.
يقسم ميرغلن المباغتة إلى ثلاثة مستويات هي التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية، ويؤكد أن حسم الصراع العسكري يظل مرتبطاً بالقدرة الإبداعية للقادة على مباغتة الخصم أو الحد من تأثير مباغتته.
ويمنح المؤلف اهتماماً خاصاً للصراع العربي-الإسرائيلي، حيث كان للمباغتة دور بارز في مجرياته، مما يبرز أهمية دراسة التجربة التاريخية للمباغتة في الأزمنة الحاضرة.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
يخصص الفصل الأول لاستعراض الحرب الشعبية في كوبا بين عامي 1868 و1898، وكيف اعتمد الثوار الكوبيون على عنصر المباغتة في مواجهة القوة الاستعمارية الإسبانية.
ويفرد الفصلان الثاني والثالث لدراسة نشأة قوات المظليين الألمان وتطورها بين عامي 1935 و1945، وكيف استخدم هؤلاء المظليون المباغتة لتحقيق نجاحات مذهلة في المراحل الأولى من الحرب العالمية الثانية.
ويتناول الفصل الرابع النقل الجوي ودوره في تغيير الموقف في عمليات النرويج وهولندا والعراق بين عامي 1940 و1941.
ويصف الفصل الخامس عملية إنزال المظليين الألمان على قلعة بن ميل البلجيكية التي كانت تعتبر من أكثر الحصون مناعة في أوروبا.
ويستعرض الفصلان السابع والثامن عمليات المظليين في قناة كورنث باليونان، وعمليات المظليين اليابانيين في المحيط الهادئ.
ويكشف الفصل التاسع عن عمليات غير معروفة للمظليين بين عامي 1943 و1945، بينما يناقش الفصل العاشر دور حركات المقاومة والأنصار في الحرب العالمية الثانية بالاقتران مع النقل الجوي.
ويتناول الفصل الحادي عشر تنسيق العمليات البرمائية مع عمليات المظليين لمباغتة القوات اليابانية في غينيا الجديدة.
ويخصص الفصل الثاني عشر لدراسة عملية إنزال القوات المحمولة جواً في محيط روما.
ويتناول الفصل الثالث عشر إنزالاً برمائياً فشل رغم عنصر المباغتة، ليبرز أن المباغتة وحدها لا تضمن النصر.
ويفرد الفصل الرابع عشر لمعركة آرنم أو عملية ماركت غاردن، وهي من أشهر عمليات الإنزال الجوي الفاشلة في الحرب العالمية الثانية.
ويختتم الكتاب بدراسة حالتين من عمليات المظليين الفرنسيين في الفصل الخامس عشر.
اقتباسات من الكتاب
يؤكد ميرغلن في مقدمة كتابه أن المباغتة هي في طليعة الأسلحة التي يتسلح بها المقاتل للقضاء على خصمه وتدمير عدوه.
ويشير المؤلف إلى أن المباغتة البدائية ارتبطت بقدرة المقاتل على خداع الخصم وتضليله، أما اليوم فهي أشد تعقيداً وتتطلب قدرات إبداعية متطورة.
ويقرر ميرغلن أن المباغتة في جوهرها لم تتغير منذ آلاف السنين، غير أن وسائلها وأدواتها تطورت بشكل هائل.
ويخلص الكاتب إلى أن حسم الصراع العسكري يظل مرتبطاً بالقدرة الإبداعية للقادة على مباغتة الخصم أو الحد من تأثير مباغتته.
أهم أقوال الكتاب
المباغتة سلاح دائم لكن وسائلها متغيرة، وجوهرها القائم على الخداع والتمويه لم يتبدل عبر التاريخ.
تقسيم المباغتة إلى مستويات تكتيكية وعملياتية واستراتيجية يساعد في فهم دورها في مختلف مستويات الصراع.
الإبداع القيادي هو المفتاح الحقيقي للمباغتة الناجحة، وليس مجرد التخطيط الدقيق.
الحروب المحدودة تطورت بتأثير الرعب من الأسلحة الدفينة، مما جعل عنصر المباغتة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
المباغتة وحدها لا تضمن النصر، فثمة عوامل أخرى كالتخطيط والتنفيذ والإعداد اللوجستي.
أهمية الكتاب
يكمن أهمية الكتاب في كونه مرجعاً نادراً يجمع بين التحليل النظري والدراسات التاريخية التطبيقية في مجال المباغتة العسكرية.
ويمتاز بتغطيته لمجموعة واسعة من العمليات العسكرية في مسارح حربية متعددة، مما يثري فهم القارئ لتطبيقات المباغتة في سياقات مختلفة.
ويمنح التركيز الخاص على الصراع العربي-الإسرائيلي أهمية إضافية للقارئ العربي، ويدعو إلى استخلاص الدروس من التجارب التاريخية.
ويسهم الإطار التحليلي الذي يقدمه بتقسيم المباغتة إلى مستوياتها الثلاثة في تمكين الدارسين من فهم أدق لدور هذا العنصر في الصراعات.
نقد الكتاب
يرى بعض النقاد أن الكتاب يغلب عليه الطابع الوصفي على حساب التحليل النظري العميق، حيث يكتفي بعرض العمليات العسكرية دون تقديم إطار نظري متكامل يفسر أسباب نجاح أو فشل المباغتة.
وينتقد البعض إغفال المؤلف للعوامل السياسية والاقتصادية التي تؤثر في فعالية المباغتة، واكتفاءه بالتحليل العسكري المحض.
كما يلاحظ أن الكتاب صدر في منتصف الستينيات من القرن العشرين، ولم يتطرق إلى تطورات مهمة في فن الحرب حدثت لاحقاً.
ويرى آخرون أن المؤلف قد بالغ في التركيز على عمليات المظليين الألمان على حساب تجارب أخرى قد تكون أكثر إفادة في السياق العربي المعاصر.
كتب مشابهة
يمكن قراءة كتاب فن الحرب لصن تزو الذي يعد من الكلاسيكيات المؤسسة لفنون الخداع والمباغتة في التاريخ العسكري الشرقي.
كما يمكن الرجوع إلى كتاب الحرب الخاطفة لهاينز غوديريان الذي يستعرض فلسفة الحرب السريعة والمباغتة التي اتبعها الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية.
ويقترب منه كتاب العمليات الخاصة للكولونيل ديفيد ستيرلينغ الذي يتناول تجارب القوات الخاصة في العمليات غير التقليدية.
ويمكن الاستفادة من كتاب الاستراتيجية الكبرى للجنرال أندريه بوفري الذي يقدم إطاراً نظرياً أوسع لفهم الاستراتيجية في مستوياتها المختلفة.
ربط الكتاب بالواقع الآن
تظل أطروحة ميرغلن حول المباغتة ذات راهمية خاصة في عصر تتصاعد فيه النزاعات الإقليمية وتتطور أساليب الحرب التقليدية وغير التقليدية.
ففي الصراع العربي-الإسرائيلي، لا تزال المباغتة تلعب دوراً محورياً كما تجلى في عمليات عديدة عبر العقود الماضية.
وفي الحروب في اليمن وسوريا وليبيا، نرى تطبيقات متعددة للمباغتة من قبل أطراف النزاع المختلفة، سواء في العمليات البرية أو عبر الطائرات المسيرة.
غير أن طبيعة الحرب قد تغيرت جذرياً مع ظهور الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، مما يطرح سؤالاً حول مدى صلاحية دروس ميرغلن في هذا السياق الجديد.
فالمباغتة اليوم لم تعد تقتصر على الميدان العسكري المادي، بل امتدت إلى الفضاءات السيبرانية والإعلامية والاقتصادية.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
الجنرال ألبرت ميرغلن هو ضابط فرنسي ومؤرخ عسكري، ولد في 17 يونيو 1915 في سليستات بمنطقة الألزاس ذات التاريخ العسكري العريق على الحدود الفرنسية الألمانية.
خدم في الجيش الفرنسي من عام 1937 إلى عام 1970، وترقى إلى رتبة جنرال، وقاد مجموعة كوماندوز خلال حملة فرنسا في مايو ويونيو 1940.
شارك في معارك الحرب العالمية الثانية، وتولى بعد الحرب إدارة منطقة تيتنانغ في منطقة الاحتلال الفرنسي بألمانيا.
عمل مؤرخاً عسكرياً ونشر العديد من الكتب والمقالات عن التاريخ العسكري، إضافة إلى كتابين للأطفال.
من أبرز مؤلفاته كتاب La Guerre de l’inattendu الصادر عام 1966، والذي ترجم إلى الإنجليزية بعنوان Surprise Warfare وإلى العربية بعنوان حرب المباغتة.
توفي في 20 يونيو 2012 في ديجون عن عمر ناهز 97 عاماً.
الكتاب في ميزان الإسلام
تتسق أطروحة الكتاب مع المفهوم الإسلامي للجهاد في كون المشروعية العسكرية تقتضي إعداد القوة والاستعداد للعدو، كما ورد في قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.
كما يتوافق مفهوم المباغتة مع سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في غزواته وسراياه التي اعتمدت على عنصر المفاجأة والتخفي.
غير أن الإسلام يضع ضوابط أخلاقية صارمة للقتال، تمنع الغدر والخيانة، وتحرم قتل غير المقاتلين وتدمير الممتلكات المدنية.
وهنا يبرز تساؤل حول كيف يمكن التوفيق بين ضرورة الاعتماد على المباغتة في الصراعات، وبين القيود الأخلاقية والقانونية التي تفرضها الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية.
والإجابة تكمن في أن المباغتة التي يتحدث عنها ميرغلن هي مباغتة عسكرية تكتيكية لا تشمل الغدر أو خرق الأمان، بل تعتمد على التمويه والخداع في إطار قواعد الاشتباك المشروعة.
ويبقى الدرس المستفاد للمسلمين هو أهمية الإعداد والاستعداد والتخطيط الإبداعي مع الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية في كل الأحوال.


