أرجأت شركة بريطانية، بالتعاون مع شريكتها الأمريكية، أعمال الحفر الاستكشافي التي كانت مقررة على الساحل الشرقي لغرينلاند، في خطوة تعكس تعقيدات متزايدة تواجه مشروعات استغلال الموارد الطبيعية في المنطقة القطبية، وسط اعتراضات ومخاوف محلية تتعلق بالآثار البيئية والتنظيمية.
وأفادت وكالة الأناضول، الخميس 13 أغسطس 2026، بأن شركة «80 مايل» البريطانية قررت تأجيل أعمال الحفر في منطقة «نوناب كيكّا» إلى العام المقبل، بالتعاون مع شركة «غرينلاند إنرجي» الأمريكية، بينما تسعى الشركتان خلال الفترة المقبلة إلى استكمال الإجراءات والحصول على التصاريح اللازمة، على أن تمتد جهود الحصول على الموافقات حتى شتاء 2027.
وكان المشروع يستهدف تنفيذ عمليات حفر استكشافي على الساحل الشرقي لغرينلاند، وهي منطقة تزايد اهتمام شركات الطاقة والتعدين بها خلال السنوات الأخيرة، في ظل التوقعات بوجود احتياطيات مهمة من الموارد المعدنية والهيدروكربونية.
تأجيل لا يعني الإلغاء
ورغم تأجيل عمليات الحفر، لم تعلن الشركتان التخلي عن المشروع، إذ تعتزمان مواصلة العمل مع السلطات المختصة والجهات المحلية والمجتمع المحيط بالمشروع، بهدف استكمال المتطلبات التنظيمية وإعادة تحديد الجدول الزمني لبدء عمليات التنقيب.
ويعكس هذا التطور أن العقبات التي تواجه المشروع لا ترتبط بالجوانب الفنية وحدها، وإنما تمتد إلى الأبعاد التنظيمية والبيئية والمجتمعية. فتنفيذ أعمال التنقيب في منطقة شديدة الحساسية بيئيًا يتطلب الحصول على الموافقات اللازمة، إلى جانب تقييم الآثار المحتملة للنشاط الصناعي على البيئة والثروة البحرية والمجتمعات المحلية.
وأشارت وكالة الأناضول إلى أن الشركة البريطانية تعتزم تعزيز التواصل مع المجتمع المحلي والجهات المختصة قبل إعادة تحديد موعد استئناف عمليات الحفر، في محاولة لتهيئة الظروف اللازمة للمضي قدمًا في المشروع.
غرينلاند.. ثروات في قلب التنافس القطبي
وتكتسب مشاريع التنقيب في غرينلاند أهمية تتجاوز حدود الاقتصاد المحلي، إذ تحولت الجزيرة خلال السنوات الماضية إلى نقطة جذب متزايدة لشركات التعدين والطاقة، بالتزامن مع تصاعد الاهتمام الدولي بالموارد الطبيعية في منطقة القطب الشمالي.
ويتيح تراجع الجليد وتطور تقنيات الاستكشاف إمكانية الوصول إلى مناطق كانت صعبة الاستغلال في السابق، وهو ما يزيد من جاذبية المنطقة أمام المستثمرين، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى المخاوف المتعلقة بحماية البيئة والنظم البحرية والحفاظ على أنماط الحياة التقليدية للسكان.
وتضع هذه المعادلة السلطات في غرينلاند أمام تحدٍ مزدوج؛ فمن ناحية، يمكن لاستغلال الموارد الطبيعية جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل وزيادة الإيرادات ودعم الطموحات الاقتصادية للإقليم، ومن ناحية أخرى، قد يؤدي التوسع السريع في النشاط الاستخراجي إلى تداعيات بيئية وسياسية ومجتمعية يصعب احتواؤها.
كما يمنح الموقع الاستراتيجي لغرينلاند القضية بُعدًا جيوسياسيًا متزايدًا، في ظل تصاعد اهتمام القوى الكبرى بالقطب الشمالي وما يتيحه من موارد طبيعية وممرات استراتيجية وفرص اقتصادية مستقبلية.
المجتمع المحلي طرف رئيسي
ويكشف تأجيل المشروع أن الحصول على الموارد الموجودة في غرينلاند لن يعتمد على الجدوى الاقتصادية أو الإمكانات الجيولوجية وحدها، بل سيتطلب أيضًا بناء توافق مع السلطات والسكان المحليين والجهات المعنية بحماية البيئة.
وبالتالي، فإن تأجيل الحفر إلى العام المقبل قد يبدو في ظاهره إجراءً إداريًا مؤقتًا، لكنه يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الاستثمار في المناطق القطبية، حيث أصبح القبول المجتمعي والامتثال للمعايير البيئية جزءًا أساسيًا من قدرة الشركات على تنفيذ مشروعاتها.
وبالنسبة إلى غرينلاند، ستظل المعادلة قائمة بين الرغبة في الاستفادة من الثروات الطبيعية وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وبين ضرورة حماية البيئة والحفاظ على مصالح المجتمعات المحلية.
ومن ثم، فإن مستقبل مشروع التنقيب في «نوناب كيكّا» سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الشركتين على استكمال الموافقات المطلوبة وبناء علاقة أكثر توافقًا مع السلطات والمجتمع المحلي، قبل الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى أي نشاط فعلي لاستخراج الموارد.





