في مخيمات ومناطق النزوح العشوائية المنتشرة في قطاع غزة، تطول طوابير الانتظار أمام دورات المياه والمراحيض، حيث يضطر النازحون، من أطفال ونساء وكبار سن وذوي احتياجات خاصة، إلى الانتظار لساعات من أجل الحصول على فرصة واحدة فقط لقضاء الحاجة، وسط آلام وآهات لا تنقطع، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي يمر بها قطاع غزة.
ويواجه أهالي القطاع نقصا حادا في دورات المياه والمراحيض، في ظل منع الاحتلال إدخال الوحدات الصحية الجاهزة ومستلزماتها، ما أدى إلى انتشار واسع لما بات يُعرف بـ”دورات المياه المشتركة” في العديد من مناطق النزوح.
ويتقاسم الأهالي تكاليف إنشاء مرحاض واحد مشترك لعدد من الأسر، في محاولة للتكيف مع الواقع المأساوي الذي تسبب به حرب الإبادة الإسرائيلية.
وبحسب جولة ميدانية أجراها مراسلنا في عدة مناطق داخل القطاع، فقد لوحظ أن سعر المرحاض الواحد تصل تكلفته إلى أكثر من 1200 شيكل (نحو 400 دولار)، فيما تتجاوز تكاليف تجهيزه من شوادر للتغطية، ومواسير للتصريف، وأعمال الحفر والتركيب، حاجز 300 دولار إضافية، وهي مبالغ باتت تفوق قدرة غالبية الأسر التي أنهكها الفقر، وفقدان مصادر الدخل بعد عامين من حرب الإبادة.
ورغم المخاطر الصحية الجسيمة المترتبة على استخدام دورات مياه مشتركة، وما يرافقها من احتمالات نقل العدوى والأمراض الجلدية والمعوية، إلا أن المواطنين يؤكدون أنهم لم يجدوا خيارا آخر لقضاء حاجاتهم الأساسية.
ويشير عاملون في المجال الصحي إلى أن الاكتظاظ وقلة المياه وغياب أدوات التعقيم تشكل بيئة خصبة لانتشار الأمراض، لا سيما بين الأطفال وكبار السن.
ووفقا لتقارير الأمم المتحدة، فإن النقص الحاد في المراحيض والمرافق الصحية في قطاع غزة يشكل عاملا رئيسيا في انتشار الأوبئة والأمراض المعوية، بما في ذلك الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي، إضافة إلى الأمراض الجلدية والالتهابات البكتيرية، في ظل تدهور الأوضاع الصحية وغياب شروط النظافة العامة.
ويضطر العديد من الأمهات إلى اللجوء لخيارات أكثر خطورة على المستوى الصحي، من بينها مساعدة أطفالهن على قضاء حاجاتهم داخل الخيام، تفاديا للانتظار الطويل أو الإحراج أو المعاناة الجسدية.
وتقول إحدى السيدات التي التقينا بها في مخيم الزوايدة وسط القطاع لـ”قدس برس”: “ابنتي مصابة بداء السكري من النوع الأول، وهي تحتاج لدخول الحمام أكثر من مرة في اليوم، لكنها لا تستطيع الانتظار طويلا بسبب وضعها الصحي، اضطررت لتحويل دلو ماء إلى مكان لقضاء حاجتها داخل الخيمة، حتى لا تتعرض للإحراج أو الألم، رغم معرفتي بالمخاطر الصحية”.
ولا تتوقف حدود المأساة عند مرضى السكري، إذ يواجه المصابون بكسور أو حروق شديدة، إضافة إلى ذوي الإعاقات الحركية، تحديات مضاعفة في الوصول إلى مراحيض مناسبة لحالاتهم الصحية، ويؤكد عدد منهم أن غياب المرافق الصحية المهيأة أجبرهم على تقليل شرب الماء أو تحمل الآلام لفترات طويلة، ما فاقم من معاناتهم الجسدية والنفسية.
وارتكبت دولة الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع.
يذكر أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، قد دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي.





