في خطوة تحمل رسائل سياسية جديدة تجاه المعارضة الجزائرية في الخارج، أكد الرئيس عبد المجيد تبون استعداد بلاده لاستقبال المعارضين الراغبين في العودة، معلنًا انفتاحه على الانتقادات الموجهة إلى السياسات العامة، بشرط أن تتم في إطار “هادئ وإيجابي” بعيدًا عن خطاب التصعيد أو الإساءة.
وخلال لقائه مع أفراد الجالية الجزائرية في ألمانيا، شدد تبون على أن معارضة السلطة حق مكفول لكل جزائري، معتبرًا أن تقديم الأفكار البديلة والانتقادات البناءة يمكن أن يساهم في تطوير الحياة السياسية وتعزيز المسار الديمقراطي في البلاد.
وقال الرئيس الجزائري إن “كل من يعارض بصفة إيجابية ويقدم أفكارًا ويأتي بالبديل، فهو يسمح للجزائر كثيرًا بالتقدم في الديمقراطية”، مؤكدًا أن الاختلاف في الرؤى لا يمثل مشكلة طالما بقي في إطار النقاش السياسي، مشددًا في الوقت نفسه على رفض ما وصفه بخطابات السب والشتم التي قال إنها تؤدي إلى نشر الكراهية والعنف.
دعوة سابقة لتسوية أوضاع المعارضين
وتأتي تصريحات تبون امتدادًا لمبادرة سياسية أطلقتها الرئاسة الجزائرية في يناير الماضي، عندما دعا النشطاء والمعارضين الموجودين في الخارج، ممن يواجهون قضايا مرتبطة بالنظام العام أو أوضاعًا قانونية غير مستقرة، إلى العودة وتسوية أوضاعهم مع السلطات.
وكان مجلس الوزراء الجزائري قد صادق في 11 يناير على إجراءات لتسوية أوضاع عدد من النشطاء المقيمين خارج البلاد، ممن صدرت بحقهم إجراءات قضائية أو إدارية، في إطار ما وصفته السلطات بأنه خطوة لإعادة إدماج جزائريين “دُفعوا إلى الخطأ” أو وجدوا أنفسهم في ظروف صعبة خارج البلاد.
لكن المبادرة استثنت المتورطين في قضايا اعتبرتها السلطات خطيرة، من بينها جرائم القتل وتجارة المخدرات والأسلحة، إضافة إلى من تتهمهم بالتعاون مع جهات أمنية أجنبية بما يمس أمن الدولة.
عودة شخصيات معارضة بعد سنوات في الخارج
ومنذ الإعلان عن المبادرة، شهدت الجزائر عودة عدد من النشطاء والشخصيات السياسية بعد تسوية أوضاعهم القانونية، بينهم شخصيات كانت تقيم خارج البلاد لسنوات طويلة، إضافة إلى قيادات مرتبطة بتيارات سياسية معارضة.
وبحسب المعطيات الرسمية، تمكن أكثر من 320 شخصًا حتى مايو الماضي من العودة إلى الجزائر ضمن برنامج وصفته السلطات بأنه يهدف إلى “لمّ الشمل”، وتسوية أوضاع الشباب والنشطاء الذين يواجهون قضايا مرتبطة بالنشاط السياسي أو مخالفات تخص النظام العام.
بين المصالحة السياسية وضبط المعارضة
ويرى مراقبون أن خطاب تبون يمثل محاولة لإعادة رسم العلاقة بين السلطة والمعارضة، عبر الانتقال من مرحلة المواجهة مع بعض الأصوات المعارضة في الخارج إلى سياسة أكثر انفتاحًا تقوم على استيعاب جزء من هذه التيارات ضمن الإطار السياسي الداخلي.
في المقابل، يبقى نجاح هذه الخطوة مرتبطًا بمدى قدرة السلطات على بناء مساحة أوسع للحوار السياسي، وضمان أن تتحول الدعوة إلى العودة والانفتاح على النقد إلى مسار مستدام يسمح بتعدد الآراء، وليس مجرد إجراء مؤقت لتسوية ملفات فردية.
وبينما تؤكد الرئاسة الجزائرية أن الهدف هو تعزيز الاستقرار ولمّ الشمل، تترقب الأوساط السياسية ما إذا كانت هذه المبادرة ستقود إلى مرحلة جديدة في علاقة الدولة بالمعارضة، أم ستظل محصورة في تسويات قانونية لحالات محددة.


