فى مشهد سياسى أثار الجدل وفتح أبواب الانتقاد، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب داخل الكنيست الإسرائيلى اليوم.
وكشفت تصريحاته مجددًا عن انحياز واضح للسياسة الإسرائيلية وتجاهل متعمد لجذر الصراع فى الشرق الأوسط وهو الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية.
الزيارة التى روجت لها وسائل الإعلام العبرية والعالمية على أنها تحمل “رسائل سلام” تحولت إلى عرض سياسى هدفه ضمان أمن إسرائيل وتثبيت وجودها كقوة مهيمنة فى المنطقة
بينما جاءت جولته المرتقبة إلى شرم الشيخ تحت شعار “السلام الإقليمى” لتبدو كتحرك استعراضى أكثر منه مبادرة حقيقية لحل قضية فلسطين الأساسية وهى الاحتلال الممتد منذ عقود.
تجاهل الاحتلال وتمجيد إسرائيل
خلال كلمته أمام الكنيست ركز ترامب على ما وصفه بـ “حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها” وتحدث بإسهاب عن “القيم الديمقراطية المشتركة” بين واشنطن وتل أبيب متجاهلًا بشكل كامل الحديث عن الاحتلال أو معاناة الشعب الفلسطينى اليومية تحت الحصار والممارسات القمعية.
ذلك التجاهل الذى اعتبره محللون سياسيون استمرارًا لسياسة أمريكية منحازة تسعى لتصفية القضية الفلسطينية عبر تجاوز جوهرها الأساسى وهو إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطينى من إقامة دولته المستقلة.
اهلا وسهلا بك فى القدس عاصمتنا
بل عندما بدأ نتنياهو رئيس وزراء الكيان المحتل كلمته قال موجها خطابه لترامب:” اهلا وسهلا بك فى القدس عاصمتنا الأبدية، وسوف يحفر اسمك فى التاريخ، ونقدر دورك الحاسم الذى لعبته لإعادة بقية مخطوفينا، فما اروع هذه اللحظات”
وبينما تُرفع الأعلام وتُعلن الانتصارات المزيفة في قاعات السلطة المبطنة بالرخام، يُكتب فصل من أقسى فصول المعاناة الإنسانية بدماء أطفال غزة، إنه المشهد الأكثر قسوةً في عصرنا: احتفال ( القتلة ) بأكاليل ورود النفاق بينما لا تزال أنات الثكالى والأيتام تملأ سماء القطاع المحاصر.
تصافح القتلة
من قاعة الكنيست حيث تتصافح أيادٍ ملطخة بدماء الأبرياء، إلى شوارع غزة حيث تشق القنابل طريقها عبر بيوت الآمنين، ترسم هذه اللحظة صورةً كونية عن انهيار الضمير الإنساني، سبعون ألف روح طاهرة تُرفع إلى السماء، ومئة وستون ألف جريح ومفقود يئنون تحت الأنقاض، بينما يرقص الساسة على جثثهم في حفلةٍ سياسيةٍ بشعة.
صمت الساسة غطرسة القوة
إنها مأساة تذكرنا أن الشر ليس مجرد فعل، بل هو أيضاً صمت العالم وغطرسة القوة، كل قنبلة أسقطوها على مدارسنا ومستشفياتنا، كل طفلٍ شُوّه تحت أنقاض بيته، كل أم احتضنت جثة فلذة كبدها – كل هذه المشاهد لا تزال حيةً نابضةً بالألم، بينما يتبادل الجلادون التهاني في أضواء الكاميرات.
اختبار للبشرية
هذه ليست مجرد جريمة حرب، بل هي اختبار للبشرية جمعاء، اختبارٌ نخسره كلما سمحنا للسياسيين بتحويل مآسينا إلى خلفية لصورهم الدعائية، فمن قاعات الأمم المتحدة إلى شوارع عواصم العالم الحر، يتردد صدى أسئلةٍ محرجة: أين الإنسانية؟ وأين العدالة؟ وأين ضمير العالم وهو يشهد أكبر مذبحةٍ في القرن الحادي والعشرين، يرتق فتقها كلمات من الجانى والجلاد معتقدا انه يغلق الجرح، ولكن هيهات، ستعود الكرة بإذن الله، ويتحقق وعد الله.
إن دماء شهدائنا لن تذهب سدى، وآلام جرحانا لن تُنسى، فالتاريخ سيسجل هذه اللحظة ليس كاحتفالٍ سياسي، بل كوصمة عار على جبين الإنسانية، وستذكر الأجيال المقبلة كيف وقف العالم صامتاً بينما كان أطفال فلسطين يكتبون بدمائهم أجمل ملحمة شهادة في تاريخ البشرية.
زيارة شرم الشيخ بين الرسائل السياسية والمصالح الخفية
رحلة ترامب إلى شرم الشيخ ولقاؤه المرتقب بعدد من القادة العرب تحمل دلالات متعددة، فهى من ناحية تسعى لإظهار دور ترامب كـ “صانع سلام” فى الشرق الأوسط، ومن ناحية أخرى تأتى فى إطار محاولاته إعادة الظهور السياسى قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة،
ويرى مراقبون أن الزيارة ليست سوى محاولة لاستعراض النفوذ الأمريكى فى المنطقة وطمأنة إسرائيل بأن أمنها سيظل أولوية فى أى ترتيبات مستقبلية، بينما يتم تهميش الملف الفلسطينى ووضعه فى خانة “القضايا الثانوية” ومخاطبته حماس بأن تتوقف عن العنف.
ردود أفعال غاضبة فى الشارع الفلسطينى والعربى
قوبلت تصريحات ترامب بحالة من الرفض الواسع فى الأوساط الفلسطينية والعربية، حيث اعتبرتها فصائل المقاومة دليلاً جديدًا على تواطؤ واشنطن فى تكريس الاحتلال وتبرير جرائمه، فيما نددت شخصيات سياسية عربية بتصريحات الرئيس الأمريكى ووصفوها بأنها “تزييف للتاريخ وتحدٍ للعدالة الدولية”،
وأكد محللون أن أى عملية سلام لا تبدأ من الاعتراف بحق الشعب الفلسطينى فى أرضه واستقلاله هى مجرد اتفاقيات شكلية هدفها خدمة المصالح الإسرائيلية.
محاولة لإحياء نفوذ أمريكى متراجع
من الواضح أن ترامب يسعى عبر هذه التحركات إلى إعادة تموضع الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط بعد سنوات من تراجع الدور الأمريكى أمام الصعود الصينى والروسى فى ملفات المنطقة، غير أن تجاهله للقضية الفلسطينية لن يعيد واشنطن إلى موقع الوسيط النزيه بل سيعمق الفجوة بينها وبين الشارع العربى الذى يرى أن الولايات المتحدة لا تزال تسير وفق أجندة إسرائيلية خالصة.
تصريحات ترامب وزيارته إلى شرم الشيخ ليست سوى جزء من مسرح سياسى جديد يحاول من خلاله إعادة تدوير خطاب “السلام مقابل القوة” الذى طالما استخدمته الإدارات الأمريكية لتغطية انحيازها لإسرائيل.
وفى ظل استمرار الاحتلال وغياب أى أفق حقيقى لحل الدولتين تبقى القضية الفلسطينية خارج حسابات صناع القرار الأمريكيين، ويظل السلام الذى يتحدث عنه ترامب سلامًا مزيفًا لا يقوم على العدالة بل على تثبيت واقع الاحتلال باسم الاستقرار الإقليمى، على مرأى ومسمع رؤساء الأنظمة العربية والإسلامية.
الصورة الموضوعية من : AFP


