عادت السندات الحكومية الأوروبية إلى دائرة اهتمام المستثمرين العالميين مع نهاية الأسبوع، بعدما حققت السندات الألمانية أفضل أداء أسبوعي لها منذ أواخر يونيو، مستفيدة من تراجع الضغوط التضخمية وانخفاض أسعار النفط، في وقت بدأت فيه قوة الدولار الأمريكي تتراجع نسبيًا مع ترقب الأسواق لبيانات الوظائف الأمريكية التي ستحدد مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
ويأتي هذا التحول بعد شهر كامل من الضغوط التي تعرضت لها أسواق الدين الأوروبية، نتيجة ارتفاع عوائد السندات بفعل صعود أسعار الطاقة وتزايد المخاوف من استمرار أسعار الفائدة المرتفعة في كل من أوروبا والولايات المتحدة.
الدولار.. العامل الأكثر تأثيرًا
يظل الدولار الأمريكي المحرك الرئيسي لتدفقات رؤوس الأموال العالمية، فكلما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية ازدادت جاذبية الأصول المقومة بالدولار، وهو ما يدفع المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم في السندات الأوروبية.
لكن المشهد بدأ يتغير خلال الأيام الأخيرة، إذ تراجعت رهانات الأسواق على استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة، بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط وتراجع توقعات التضخم، ما منح السندات الأوروبية فرصة لاستعادة جزء من خسائرها.
ويرى محللون أن أي ضعف جديد في الدولار سيدفع المزيد من المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية نحو أدوات الدين الأوروبية، خاصة مع تحسن توقعات الاقتصاد في منطقة اليورو.
السندات الألمانية تستفيد من تراجع المخاطر
استقرت عوائد السندات الألمانية لأجل عامين وعشرة أعوام، لتنهي أطول موجة ارتفاع في العوائد منذ بداية العام، وهو ما يعكس عودة الطلب على السندات باعتبارها من أكثر أدوات الاستثمار أمانًا داخل أوروبا.
كما ساهم انخفاض أسعار النفط في تقليص الضغوط التضخمية، وهو ما خفف المخاوف من استمرار البنك المركزي الأوروبي في تبني سياسة نقدية متشددة، الأمر الذي دعم أسعار السندات.
التضخم الأوروبي يمنح الأسواق دفعة جديدة
أظهرت بيانات اقتصادية حديثة استمرار تباطؤ أسعار المنتجين في منطقة اليورو، بالتزامن مع استقرار نشاط قطاع الخدمات في الاقتصادات الكبرى، وهو ما عزز قناعة المستثمرين بأن دورة التضخم المرتفع بدأت تفقد زخمها.
وتمنح هذه المؤشرات البنك المركزي الأوروبي مساحة أكبر للحفاظ على سياسة نقدية أكثر مرونة مقارنة بالأشهر الماضية، وهو ما ينعكس إيجابًا على أسواق السندات.
الأنظار تتجه إلى واشنطن
ورغم التحسن الذي سجلته أسواق الدين الأوروبية، تبقى الأنظار موجهة نحو تقرير الوظائف الأمريكية، باعتباره المؤشر الأكثر تأثيرًا في حركة الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية.
فإذا جاءت البيانات قوية، فمن المتوقع أن يستعيد الدولار زخمه، ما قد يدفع رؤوس الأموال مجددًا نحو الأصول الأمريكية ويضغط على السندات الأوروبية.
أما إذا أظهرت البيانات تباطؤًا في سوق العمل، فقد يتراجع الدولار بصورة أكبر، وهو ما سيعزز الطلب على السندات الأوروبية ويدعم اليورو أمام العملة الأمريكية.
قراءة للأسواق
أصبحت المنافسة بين السندات الأوروبية والدولار الأمريكي أكثر وضوحًا في المرحلة الحالية، إذ إن أي تراجع في جاذبية الدولار يفتح الباب أمام عودة الاستثمارات إلى أدوات الدين الأوروبية، بينما يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية وعوائد السندات الأمريكية إلى سحب السيولة من الأسواق الأوروبية.
لذلك، فإن اتجاه الدولار خلال الأسابيع المقبلة سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت السندات الأوروبية ستواصل تعافيها، أم ستعود مجددًا إلى دائرة الضغوط مع تغير توقعات أسعار الفائدة العالمية.


