تشهد مالي تصعيداً غير مسبوق في نشاط الجماعات المسلحة، لاسيما تنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبط بالقاعدة، بالتوازي مع عودة تنظيم داعش بقوة في الشمال الشرقي.
ورغم استعادة الجيش المالي بدعم من المرتزقة الروس لبعض المواقع الاستراتيجية مثل كيدال، تبقى سيطرة الحكومة هشة ويستمر عنف التنظيمات المسلحة في الانتشار، ليطال العاصمة باماكو أيضاً.
وترافقت هذه الفوضى وفقا لتقرير الخبير الموريتاني في الشئون الإفريقية سلطان البان مع مجازر ضد المدنيين ارتكبها الجيش بحجة مكافحة الإرهاب، ما أوقع عشرات الضحايا في مناطق متفرقة من البلاد.

وساهم الحصار الذي فرضته الجماعات المسلحة على واردات الوقود في شلل شبه تام للقطاعات الحيوية، وأدى إلى انقطاع الإمدادات وإغلاق المدارس والمؤسسات العامة بين 27 أكتوبر و9 نوفمبر 2025.
وتزامن هذا مع تصاعد احتمالات حدوث انقلاب عسكري جديد في ظل الفوضى الأمنية والاقتصادية العميقة، مما جعل البلاد ساحة مفتوحة للعنف والفوضى. أمام تدهور الأمن، بادرت عدة دول إلى إجراءات استثنائية لضمان سلامة رعاياها.
اضطرابات امنية وسحب الرعايا
من جهتها أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية عبر سفارتها تحذيرات عاجلة لمواطنيها ودعت لمغادرة مالي فوراً، كما نقلت الموظفين غير الأساسيين خارج البلاد بسبب تصاعد التهديدات وانعدام الأمن.
وتبعتها الخارجية الألمانية التي طالبت جميع المواطنين الألمان بمغادرة مالي فورًا واستخدام الرحلات التجارية إذا توفرت. أما إيطاليا فقد سارعت إلى دعوة رعاياها للمغادرة، خصوصاً مع تعمق أزمة الوقود وتفاقم الوضع في باماكو.

كما التحقت أستراليا وتركيا بالدول الغربية الأخرى، وأصدرتا بيانات رسمية تحذر رعاياهما من تصاعد المخاطر وتوصيهم بمغادرة البلاد. حتى روسيا، على الرغم من توسع حضورها الجيوسياسي والأمني في مالي، وجهت تحذيرات لمواطنيها لمغادرة البلاد
وامتثالاً للتقديرات الأمنية الراهنة. الأزمة الأمنية الحالية في مالي تعكس تحولات جيوبوليتيكية حادة في منطقة الساحل، إذ أدى تراجع النفوذ الفرنسي والغربي إلى تعزيز حضور روسيا عبر الدعم العسكري والاستثمارات في قطاعات الذهب والطاقة، ما عمق من عزلة النظام العسكري المالي إقليمياً ودولياً.
روسيا ودعم الأنظمة العسكرية
فيما تعتمد استراتيجية روسيا بحسب تغريدة “البان ” علي منصة “إكس “على مساندة الأنظمة العسكرية دون اشتراطات سياسية، ما يكرس اختلال موازين القوى بالمنطقة ويدفع الغرب لإعادة النظر في مجمل مقاربته الأمنية والإقليمية في الساحل. في ظل تصاعد الفوضى وعجز المجلس العسكري عن إدارة الأزمة،
وتستغل التنظيمات الإرهابية الثغرات الأمنية لتعزيز زعزعتها للبلاد، بينما يظل السكان عالقين بين فوضى الجماعات المسلحة وفشل السياسات الحكومية، ليجدوا أنفسهم أمام تهديد يومي بانهيار أمني شامل وربما انقلاب جديد. وإغلاق الحدود،
كما حدث مع موريتانيا، أصبح وسيلة لاحتواء الغضب الداخلي وصرف الأنظار عن عمق الأزمات التي تهدد البلاد. انهيار الأمن في مالي يشكل تهديدًا مباشرًا لجيرانها مثل موريتانيا والجزائر، بسبب احتمالات انتقال الجماعات المسلحة وتصاعد موجات النزوح الجماعي،
في غياب تعاون إقليمي فاعل. تتحول مالي تدريجياً إلى بؤرة للفوضى والإرهاب في قلب الساحل الأفريقي، مع عجز البلاد عن التصدي لتنامي نفوذ الجماعات المسلحة وتفاقم العزلة الدولية، فباتت البلاد على أعتاب انفجار أمني وجيوسياسي خطير ومغادرة واسعة لرعايا الدول الأوروبية والغربية خشية على سلامتهم.







