أظهرت البيانات المالية الحديثة أن شركة Saudi Aramco حوّلت إلى الحكومة السعودية نحو 38.2 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، متضمنة ضرائب الدخل والريع النفطي وتوزيعات الأرباح، مقارنة بنحو 47.7 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024، ما يمثل تراجعاً يناهز 19.9%.
ويعكس هذا الانخفاض الضغوط المتزايدة التي تواجهها المالية العامة السعودية نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً بعد تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من تداعيات على حركة الملاحة وإمدادات النفط في منطقة الخليج، ولا سيما مع إغلاق مضيق هرمز لفترات متقطعة، الأمر الذي أثّر بشكل مباشر على صادرات النفط وأسعار الطاقة العالمية.
وتعتمد السعودية بصورة رئيسية على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة، ما جعل أي تراجع في عوائد النفط ينعكس سريعاً على المؤشرات المالية للدولة. ووفق المعطيات المتداولة، سجّلت الميزانية السعودية عجزاً بنحو 33.5 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بعجز بلغ 3.3 مليارات دولار فقط خلال الفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات العامة.
ويرى محللون اقتصاديون أن التراجع في تحويلات «أرامكو» لا يرتبط فقط بانخفاض العوائد النفطية، بل أيضاً بتقلبات السوق العالمية وارتفاع تكاليف التشغيل والنقل والتأمين في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، والتي دفعت العديد من الأسواق إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات القادمة من الخليج العربي.
وفي مواجهة هذا الوضع، تتجه الحكومة السعودية بصورة متزايدة إلى تمويل الإنفاق عبر أدوات الدين العام، سواء من خلال إصدار السندات والصكوك أو عبر الاقتراض من الأسواق المحلية والدولية. وتأتي هذه السياسة في إطار سعي الرياض للحفاظ على مستويات الإنفاق المرتبطة بمشروعات Saudi Vision 2030، التي تتطلب استثمارات ضخمة في قطاعات البنية التحتية والسياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار الضغوط على سوق النفط قد يدفع السعودية إلى توسيع برامج الاقتراض خلال الفترات المقبلة، خاصة مع استمرار الالتزامات المالية المرتبطة بالمشروعات العملاقة، مثل مدينة نيوم والمشروعات السياحية والصناعية الكبرى، والتي تمثل الركيزة الأساسية لخطة تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
في المقابل، يرى خبراء أن المملكة لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على إدارة العجز بفضل احتياطاتها المالية الضخمة ومكانتها الائتمانية القوية في الأسواق العالمية، إلا أن استمرار تراجع الإيرادات النفطية لفترة طويلة قد يفرض تحديات متزايدة على السياسة المالية ويجبر الحكومة على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق أو تسريع خطط تنويع مصادر الدخل غير النفطي.


