أثار حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة ، عن استحقاقه لجائزة نوبل للسلام، بزعم أنه “أنهى 7 حروب لا نهاية لها، كانت مُستعرة، وراح ضحيتها آلاف لا تُحصى من الناس”، من بينها حرب مصر وأثيوبيا بسبب الصراع على الماء، و كمبوديا وتايلاند، وكوسوفو وصربيا، والكونغو ورواندا وباكستان والهند، وإسرائيل وإيران وأرمينيا وأذربيجان.
إلا أن ترامب الذي يزعم بمنع الحرب مصر وأثيويبا، هو من سعى خلال ولايته الأولى في إشعال الحرب، حينما قال إن “الحل العسكري” في أزمة سد النهضة الإثيوبي حق أصيل لمصر في الدفاع عن حصتها المائية، محذرا من خطورة الوضع المتعلق بأزمة السد، قائلا إن “الأمر قد ينتهي بالمصريين إلى تفجير السد”.
بل أضاف: “قلتها وأقولها بصوت عال وواضح: سيُفجّرون هذا السد، وعليهم أن يفعلوا شيئا، كان ينبغي عليهم إيقافه قبل وقت طويل من بدايته”.
تصريح الرئيس الأمريكي جاء خلال اتصال هاتفي جمعه مع رئيسي وزراء السودان عبد الله حمدوك وإسرائيل بنيامين نتنياهو بعد إعلان تطبيع العلاقات بين بلديهما، عام 2019 ـ أي منذ ست سنوات وأكد خلاله أيضا أن مصر “لديها كل الحق في حماية حصتها في مياه النيل، وأن تجاهل إثيوبيا للاتفاق الأخير حول السد أمر غير مقبول”.
وفي فبراير 2019، أعلنت واشنطن التوصل إلى اتفاق حول آلية عمل السد، ووقعت عليه القاهرة بالأحرف الأولى، في مقابل امتناع إثيوبيا التي اتهمت الولايات المتحدة بالانحياز إلى مصر في هذه الأزمة، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى فرض عقوبات على أديس أبابا ومنع بعض المساعدات عنها.
هذا التشجيع على الحرب قابلته مصر بالصمت، بشأن حديث ترامب حول الحل العسكري وتدمير سد النهضة.

ووقتها استدعت إثيوبيا سفير واشنطن لديها، وطلبت منه إيضاحات، معتبرة أن التصريحات من شأنها “إشعال الحرب في منطقة حوض النيل”.
كما أكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وقتها أن سد النهضة يعود لبلاده، مضيفا أنه لا توجد قوة تمنع إثيوبيا من تحقيق أهدافها في هذا الشأن.
كما دخل الاتحاد الأوروبي على خط الأزمة، محذرا من زيادة التوترات بشأن السد، ومطالبا بضرورة المضي قدما للتوصل إلى اتفاق بشأن المسألة بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا.
صمت مصري
الملفت أن النظام المصري لم يعلق رسميا على تصريحات ترامب وقتها في 2019 حين شجع ترامب مصر على خوض الحرب، كما لم تعلق مصر على ترامب بعد ست سنوات من الزعم يأنه هو من أوقف الحرب، الأمر الذي يطرح سؤالا هو هل سعى ترامب لتوريط مصر في هذه الحرب كمحاولة لإدخال مصر في عملية تدمير ذاتي، في الوقت الذي أشعل فيه ترامب الحدود المصري من جهاتها الأربعة، في غزة ومع إسرائيل، وليبيا من الغرب والسودان من الجنوب، والبحر الأحمر من الشرق نتيجة صواريخ الحوثيين.
غير أن مصر كانت تؤكد التزامها بالحل التفاوضي وعدم اللجوء للأعمال العسكرية.
ومع كل مراحل الملئ تراجعت مصر في أي حديث للخيار العسكري للتعامل مع الأزمة، على خلفية إعلان إثيوبيا اكتمال بناء السد، بل وانتقدت الترويج للخيار العسكري من جانب بعض المصريين، باعتباره يضر السياسة المصرية في أزمة السد.

وكذب الإعلام المصري في هذا التوقيت الرئيس الأمريكي، وإن مصر لم يكن على أجندتها قرار ضرب السد، علما أن معظم المذيعين التابعين للسلطة تجاهلوا تغطية الأمر في برامجهم.
توريط مصر
الخبير العسكري المصري اللواء متقاعد طلعت مسلّم حذَّر وقتها من توريط بلاده في حرب مع إثيوبيا، مشددا على أن مسايرة الرئيس الأمريكي في حديثه عن تفجير السد ستمثل خطأ للقاهرة وليس لواشنطن.
وقال مسلّم إن تصريح ترامب “خطير جدا لو تم اتخاذه في سياق صدوره من قبل رئيس أكبر دولة في العالم”، مستدركا “لكنني أراه نوعا من الدعاية الانتخابية الضخمة من قبل ترامب، المعروف عنه مبالغته الكثيرة وعدم الدراسة الكافية لما يخرج منه”.
وأوضح مسلّم أن تصريح ترامب “ينبغى التعامل معه بحذر، وعدم الانسياق خلفه”، ونصح الخبير العسكري حكومة بلاده بأن تضع التصريح “الخطير والمهم في سياق علاقتها مع الولايات المتحدة وترامب في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية التي خسرها ترامب آنذاك في 2020 أمام بايدن، بحيث يتم البناء عليه في إدارة الملف التفاوضي للسد، وعدم توقع أكثر من ذلك، وربما أقل أيضا”. في إشارة منه إلى خطورة الانجرار لعمل عسكري.
وحذر الخبير العسكري من تداعيات نشوب حرب في المنطقة ذات الاستقرار الهش، قائلا “بخلاف آثارها الكبيرة، قد تتسبب في انهيار السد الإثيوبي وغرق قرى ومدن جنوبي مصر”.

أما عن الجانب الإثيوبي، فرئيس الوزراء آبي أحمد، اعتبر حديث ترامب “فرصة ثمينة لحشد الإثيوبيين من حوله وحول مسألة السد”.
ترامب يناقض نفسه
ومن غير الواضح كيف أنهى ترامب هذا الصراع بالضبط، لأن مصر وإثيوبيا لم تكونا، ولا تزالان، في حالة حرب.
ومع ذلك، يخوض البلدان نزاعًا مريرًا حول سد كهرومائي ضخم افتتحته إثيوبيا رسميًا في وقت سابق من هذا الشهر، وهناك مخاوف من تفاقم هذا الخلاف.
واستغرق بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، الواقع على أحد روافد نهر النيل، حوالي 15 عامًا، ويرى الإثيوبيون فيه مفتاحًا لازدهارهم الاقتصادي المستقبلي.
ولطالما عارضت مصر والسودان السد، بحجة أنه سيؤثر سلبًا على توافر المياه في مجرى النهر. وتجادل مصر بأنه بموجب معاهدة تعود إلى الحقبة الاستعمارية وُقعت مع بريطانيا، يحق لها استخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي مشاريع على نهر النيل.


