في لحظة إقليمية مشحونة، تكشف خطوة الرئيس الأمريكي بتكليف نائبه جي دي فانس بإيجاد مخرج من المواجهة مع إيران، عن تحوّل دقيق في حسابات واشنطن. فبعد أسابيع من التصعيد والعمليات العسكرية، لم يعد السؤال كيف تُدار الحرب، بل كيف يمكن الخروج منها دون خسائر استراتيجية كبرى.
زيارة فانس المرتقبة، على رأس الوفد الأمريكي، إلى باكستان لا تحمل فقط طابعًا دبلوماسيًا، بل تمثل محاولة لاحتواء مسار ينزلق تدريجيًا نحو مواجهة أوسع. فالإدارة الأمريكية، التي رفعت سقف الضغط، تجد نفسها اليوم أمام واقع معقّد: هدنة هشة، مفاوضات متعثرة، وفجوة ثقة عميقة مع طهران.
رجل المهمة الصعبة
اختيار فانس ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية. داخل الدائرة المقربة من ترامب، يُعرف فانس بمواقفه المتحفظة تجاه التدخلات العسكرية، وبميله إلى تقليل الانخراط الأمريكي في حروب مفتوحة. إنه، في جوهره، “صوت حذر” داخل إدارة اعتادت على استخدام أدوات الضغط القصوى.
هذا الاختيار يعكس إدراكًا متزايدًا في واشنطن بأن التصعيد العسكري، رغم فعاليته التكتيكية، لا يقدّم مخرجًا استراتيجيًا مستدامًا. ومن هنا، يصبح إرسال فانس محاولة لإعادة التوازن بين القوة والدبلوماسية.
فجوة يصعب ردمها
لكن التحدي الذي يواجهه فانس يتجاوز مهارات التفاوض. فالمشكلة ليست في غياب قنوات الحوار، بل في تضارب الأهداف:
تسعى إلى كبح البرنامج النووي الإيراني وتقليص نفوذ طهران الإقليمي.
بينما ترى أن أي تهدئة يجب أن تقترن برفع الضغوط والاعتراف بدورها كقوة إقليمية.
وبين هذين الموقفين، تقف كعامل ضغط إضافي يدفع نحو تشدد أكبر، ما يضيق هامش المناورة أمام أي تسوية.
إسلام آباد… طاولة فوق حقل ألغام
المفاوضات التي تُعقد في لا تستند إلى اتفاق واضح، بل إلى هدنة مؤقتة وُلدت في اللحظة الأخيرة، بلا نص مكتوب أو آليات تنفيذ. هذا الغموض حوّل التفاهم إلى مساحة مفتوحة للتأويل، حيث يفسر كل طرف البنود وفق مصالحه.
يزداد المشهد تعقيدًا مع بروز ملفات حساسة مثل ، حيث يشكل دور نقطة اختبار حقيقية لأي تهدئة. فنجاح الهدنة أو فشلها قد يُقاس بقدرتها على احتواء هذا الملف تحديدًا.
دبلوماسية القنوات الخلفية
مرافقة شخصيات مثل فانس تعكس أن واشنطن لا تبدأ من الصفر، بل تبني على مسار طويل من الاتصالات غير المباشرة مع طهران. غير أن هذه القنوات، رغم أهميتها، لم تنجح حتى الآن في تحويل التهدئة التكتيكية إلى اتفاق مستدام.
إدارة أزمة… لا صناعة سلام
في العمق، لا تشير هذه التحركات إلى اقتراب اتفاق تاريخي، بل إلى محاولة دقيقة لإدارة الأزمة. فترامب يسعى إلى تجنب حرب طويلة قد تستنزف الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا، وفي الوقت ذاته يبحث عن إنجاز يمكن تسويقه داخليًا كنجاح دبلوماسي.
لكن المشكلة أن الطرف المقابل لا يبدو مستعدًا لتقديم تنازلات جوهرية، ما يجعل أي تقدم محتمل محدودًا بطبيعته.
بين التهدئة والانفجار
السيناريوهات المطروحة تعكس هشاشة اللحظة:
تهدئة مؤقتة تُبقي الصراع تحت السيطرة دون حله.
اتفاق جزئي يخفف التوتر دون معالجة جذوره.
أو انهيار سريع يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.
وفي جميع هذه الاحتمالات، يبقى عنصر عدم اليقين هو العامل الحاسم.
خاتمة
تكليف ليس إعلانًا عن مسار سلام بقدر ما هو اعتراف ضمني بأن الخيار العسكري وحده لا يكفي. إنه محاولة لإيقاف الانزلاق، لا لإنهاء الصراع.


