دفعت تركيا بتعزيزات عسكرية نوعية إلى شمال سوريا، شملت مدرعات “سامور” القادرة على عبور الأنهار، وأنظمة دفاع جوي ومروحيات قتالية، بينما انتشرت وحدات من الجيش السوري في محيط قاعدة كويرس شرق حلب، في تحرك يوحي بتنسيق عسكري غير معلن بين الطرفين.
ومن المهم الإشارة هنا إلي أن القاعدة الجوية الواقعة شرق حلب أصبحت محورًا للتحركات التركية الأخيرة، إذ تقع على تماس مباشر مع مناطق سيطرة “قسد”. انتشار مدرعات “سامور” داخلها يُعد مؤشرًا على استعداد عملياتي لعبور الأنهار والسدود، خصوصًا في مناطق الفرات وسد تشرين وبحيرة الأسد.
إلى جانب كويرس، عززت أنقرة بحسب تقدير موقف لمركز أمد للدراسات السياسية وجودها العسكري في مدينتي تل أبيض بريف الرقة ورأس العين بريف الحسكة، ضمن نطاق عملية “نبع السلام”، ما يشير إلى نية لفتح جبهات ضغط متعددة ضد “قسد”، وإعادة ترتيب خطوط السيطرة على امتداد الشمال السوري.
تصاعد الاشتباكات
وقد تزامنت هذه التحركات مع اشتباكات مدفعية متبادلة بين قوات وزارة الدفاع السورية و”قسد” في دير حافر شرق حلب. التقارير الميدانية تشير إلى محاولات تسلل متبادلة، وردود نارية استخدمت فيها المدفعية وراجمات الصواريخ، في مؤشر على هشاشة التهدئة بين الطرفين.
الرئيس السوري أحمد الشرع من جانبه أكد أن حكومته أقنعت أنقرة بتأجيل أي عملية عسكرية لإتاحة الفرصة للمفاوضات، لكنه أوضح أن المهلة تنتهي نهاية العام، ملمّحًا إلى أن تركيا قد تتحرك عسكريًا إذا لم تُنفذ اتفاقات الدمج مع “قسد”، ولا سيما اتفاق 10 مارس بدعم أميركي وتركي.

إمن ناحية أخر ا علقت الهام أحمد، مسئولة الشؤون الخارجية في “الإدارة الذاتية”، شككت في نية أنقرة شن هجوم واسع، ووصفت المهلة الزمنية بأنها “غير واقعية”، معتبرة أن لغة التهديد تعرقل الحوار.
وأكدت مسئولة الشئون الخارجية أن “قسد” ما زالت ملتزمة بالحل السياسي وتطالب بضمانات دولية لأي اتفاق مع دمشق.
وفي سياق متصل ترى أنقرة أن “قسد” تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني. لذلك، تسعى تركيا إلى تقليص نفوذ “قسد” شرق الفرات وفرض معادلة جديدة تُجبرها على الاندماج في مؤسسات الدولة السورية أو مواجهة عمل عسكري مشترك تركي–سوري.
البعد الأميركي
أما علي صعيد الموقف الأمريكي فتحاول واشنطن، التي تعتبر “قسد” شريكها الرئيسي في محاربة تنظيم الدولة، احتواء التصعيد عبر الضغط على تركيا وتشجيع تفاهم كردي–سوري يقلل من ذرائع التدخل . ويرجّح مراقبون أن تستخدم الإدارة الأميركية الملف كورقة تفاوض إقليمي مرتبطة بملفات كبرى مثل غزة والعلاقات مع أنقرة
أرسل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رسائل حادة بشأن مستقبل سوريا، مؤكداً أن أنقرة لن تسمح بتقسيم البلاد، ومشدداً على أن دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية يمثل خطاً أحمر بالنسبة لتركيا، في إطار حل دبلوماسي يضمن وحدة الأراضي السوري

في المقابل، يصرّ الأكراد على محورية دورهم في مواجهة تنظيم داعش، حيث أعلنت “قسد” عن إحباط عمليات للتنظيم واعتقال عناصر في دير الزور، ما يكشف هشاشة الوضع الأمني شرق الفرات.
من هنا يبقى المشهد السوري مفتوحاً على احتمالات عدة، بين رهان أنقرة على الحلول الدبلوماسية لدمج الأكراد، وإصرار قسد على تثبيت موقعها في معادلة ما بعد الحرب، بينما تظل الحسابات الإقليمية والدولية عاملاً حاسماً في رسم مستقبل هذا الملف الشائك


