تتحرك تركيا بصورة أكثر نشاطًا نحو آسيا الوسطى والقوقاز والفضاء الناطق بالتركية، في مسار يجمع بين توسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني، والحفاظ في الوقت نفسه على موقعها داخل المنظومة الغربية وحلف شمال الأطلسي «الناتو».
وجاء أحدث مؤشرات هذا التوجه مع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب مشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بيشكيك، إذ قال إن تركيا يمكن أن ترفع مستوى علاقاتها مع المنظمة، وصولًا إلى احتمال الحصول على العضوية الكاملة، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوة لا تعني الانفصال عن الغرب أو التخلي عن عضوية بلاده في حلف شمال الأطلسي.
وقال أردوغان للصحفيين على متن الطائرة أثناء عودته من قرغيزستان إن احتمال عضوية تركيا الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون «لا يعني الانفصال عن أي تكتل آخر أو عن الغرب»، في رسالة واضحة بأن أنقرة تريد توسيع دوائر تحركها الدولي بدلًا من استبدال تحالفاتها القائمة بتحالفات جديدة.
وتكتسب تصريحات أردوغان أهميتها من توقيتها؛ فقد جاءت بعد مشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى تثبيت سياسة خارجية متعددة المسارات، تجمع بين علاقتها العسكرية والاستراتيجية بالغرب، وعلاقاتها المتنامية مع روسيا والصين ودول آسيا الوسطى.
آسيا الوسطى.. المجال الطبيعي للنفوذ التركي
لا تنظر أنقرة إلى آسيا الوسطى باعتبارها ساحة دبلوماسية بعيدة، وإنما باعتبارها فضاءً ترتبط به تركيا بعوامل التاريخ واللغة والثقافة، فضلًا عن المصالح الاقتصادية والجغرافية.
وتحتل منظمة الدول التركية موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية، إذ تضم تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان أعضاء، بينما تتمتع تركمانستان والمجر وجمهورية شمال قبرص التركية بصفة مراقب وفق البيانات الرسمية للمنظمة ووزارة الخارجية التركية.
وتعمل المنظمة على توسيع التعاون بين دولها في مجالات الاقتصاد والتجارة والنقل والجمارك والطاقة والسياحة والتعليم والثقافة، وهو ما يمنح أنقرة إطارًا مؤسسيًا لتطوير علاقاتها مع جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.
لكن الأهمية الأكبر بالنسبة إلى تركيا تكمن في أن هذه العلاقات لم تعد محصورة في الروابط الثقافية.
فالمسألة تتحول تدريجيًا إلى مشروع جيو-اقتصادي يقوم على ربط تركيا بالقوقاز وآسيا الوسطى عبر شبكات النقل والطاقة والتجارة، بما يعزز موقعها باعتبارها حلقة وصل بين الأسواق الآسيوية والأوروبية.
التجارة التركية مع الدول التركية تتجاوز 27 مليار دولار
وتكشف الأرقام الاقتصادية عن اتساع هذا المسار.
فوفق بيانات وزارة التجارة التركية التي أعلنت في 31 أغسطس 2026، ارتفعت تجارة تركيا مع الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية بنسبة 6.6% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، لتصل إلى 10.1 مليار دولار.
وبلغت التجارة التركية مع الدول الأعضاء في المنظمة 16.9 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 871 مليون دولار فقط عام 2002، أي أنها تضاعفت نحو 20 مرة خلال الفترة نفسها.
وتصدرت كازاخستان قائمة الشركاء التجاريين الأعضاء بقيمة تجارة بلغت 7.8 مليار دولار في 2025، تلتها أذربيجان بـ4.3 مليار دولار، ثم أوزبكستان بـ3.1 مليار دولار، وقيرغيزستان بـ1.6 مليار دولار.
كما ارتفعت تجارة تركيا مع الدول المراقبة الثلاث ــ تركمانستان والمجر وجمهورية شمال قبرص التركية ــ بنسبة 5.1% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 إلى 6.1 مليار دولار.
وبحساب حجم التجارة السنوي المُسنَد إلى آخر 12 شهرًا حتى يوليو، وصل إجمالي تجارة تركيا مع الدول الأعضاء والمراقبة في المنظمة إلى 27.8 مليار دولار.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التحرك التركي: فالعلاقات مع الفضاء الناطق بالتركية تتحول تدريجيًا من رصيد ثقافي إلى شبكة مصالح اقتصادية واسعة.
«الممر الأوسط».. الطريق الذي يربط تركيا بآسيا
ويأتي الممر الأوسط في قلب هذه الاستراتيجية.
وهو ممر نقل عابر لبحر قزوين يربط آسيا الوسطى بالقوقاز وتركيا ثم أوروبا، ويمنح أنقرة فرصة لتعزيز موقعها كمركز للنقل والتجارة بين الشرق والغرب.
وتؤكد وزارة الخارجية التركية أن التعاون مع كازاخستان يركز بصورة خاصة على تطوير الممر العابر لقزوين، وتعتبر منظمة الدول التركية الإطار متعدد الأطراف الرئيسي لتعزيز هذا النوع من الترابط الإقليمي.
وبالنسبة إلى الجمهوريات الآسيوية، يوفر الممر خيارًا إضافيًا لتنويع طرق التجارة والوصول إلى الأسواق العالمية، بينما ترى فيه تركيا وسيلة لتعزيز موقعها الجغرافي والاقتصادي وتقليل الاعتماد على طرق تقليدية تمر عبر الأراضي الروسية.
وهكذا يصبح النقل جزءًا من السياسة الخارجية التركية، وليس مجرد ملف اقتصادي.
شنغهاي.. خطوة أبعد من العالم التركي
إذا كانت منظمة الدول التركية تمثل المجال الطبيعي للنفوذ التركي، فإن منظمة شنغهاي للتعاون تمنح أنقرة نافذة أوسع على النظام الآسيوي.
فتركيا حصلت على صفة شريك حوار في منظمة شنغهاي عام 2012، وكانت من أوائل الدول التي دخلت المنظمة من خارج عضويتها الكاملة بهذا الشكل. ووفق وزارة الخارجية التركية، ركزت مشاركتها على ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وأمن الحدود والطاقة والربط الإقليمي.
لكن الوضع المؤسسي للمنظمة تغير منذ ذلك الوقت.
ففي قمة تيانجين عام 2025، قررت الدول الأعضاء دمج صفتي «المراقب» و«شريك الحوار» في صفة موحدة هي شريك منظمة شنغهاي للتعاون، وأصبحت تركيا ضمن هذا الإطار الجديد.
ومن ثم، فإن حديث أردوغان عن إمكانية العضوية الكاملة يمثل انتقالًا في مستوى الطموح التركي، وليس مجرد استمرار للوضع السابق.
لماذا تريد تركيا شنغهاي؟
لا يبدو أن الهدف التركي هو الانضمام إلى منظمة شنغهاي باعتبارها بديلًا لحلف شمال الأطلسي.
فتركيا لا تزال عضوًا في الناتو، وترتبط اقتصاديًا بدرجة كبيرة بأوروبا، كما أن بنيتها التجارية والصناعية والاستثمارية مرتبطة بالأسواق الغربية.
لكن أنقرة تريد في المقابل زيادة قدرتها على الحركة داخل نظام دولي أصبح أكثر تعددًا في مراكز القوة.
ولهذا تسعى إلى الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا والناتو، بالتوازي مع تطوير علاقاتها مع روسيا والصين ودول آسيا الوسطى.
وتكشف تصريحات أردوغان الأخيرة هذا المنطق بوضوح؛ فهو لم يقدم التوجه نحو شنغهاي باعتباره خروجًا من الغرب، وإنما باعتباره توسيعًا للخيارات التركية.
روسيا.. الشريك الصعب
وتبقى روسيا عنصرًا أساسيًا في المعادلة التركية.
فأنقرة وموسكو ترتبطان بعلاقات اقتصادية وطاقة ودفاع، رغم اختلاف مواقفهما في عدد من الملفات الإقليمية.
وخلال لقاء أردوغان وبوتين على هامش قمة شنغهاي، بحث الجانبان مواصلة التعاون في مجال الطاقة النووية، ولا سيما محطة أكويو، إلى جانب إمكانية تطوير مشروعات نووية إضافية.
وأكد أردوغان أن العلاقات التركية الروسية وصلت إلى مستوى متقدم، بينما وصف بوتين تركيا بأنها شريك مهم لروسيا.
وتزداد أهمية هذه العلاقة إذا أخذنا في الاعتبار اعتماد تركيا الكبير على واردات الطاقة؛ الأمر الذي يجعل روسيا شريكًا لا تستطيع أنقرة تجاهله بسهولة، حتى في ظل استمرار عضويتها في الناتو.
الصين تدخل المعادلة أيضًا
ولا تتوقف استراتيجية تركيا الآسيوية عند روسيا.
فمنظمة شنغهاي تضع أنقرة في إطار أوسع يضم الصين والهند وإيران ودول آسيا الوسطى، وهو ما يمنح تركيا فرصة للتعامل مع مجموعة من القوى الآسيوية في إطار مؤسسي واحد.
وهنا يتجاوز الطموح التركي مسألة الانتماء الثقافي إلى العالم التركي، ليصبح جزءًا من محاولة أوسع لبناء علاقات مع مراكز القوة الصاعدة في الاقتصاد العالمي.
وتشير البيانات التركية إلى أن انتقال مركز الثقل في الإنتاج والتجارة العالميين باتجاه الشرق زاد من الأهمية الاستراتيجية للفضاء التركي في شبكات التجارة واللوجستيات الدولية، وهي رؤية تتطابق مع تركيز أنقرة المتزايد على الممر الأوسط.
هل تنقل تركيا مركز ثقل سياستها الخارجية إلى الشرق؟
رغم كل هذه المؤشرات، سيكون من الخطأ اختزال السياسة التركية في عبارة «التحول إلى الشرق».
فتركيا لا تتجه إلى مغادرة الغرب، وإنما إلى تنويع الشراكات ومصادر النفوذ.
فعضوية الناتو ما زالت حجرًا أساسيًا في منظومة الأمن التركية، فيما يمثل الاتحاد الأوروبي أكبر مجال اقتصادي متقدم قريب من تركيا.
وفي الوقت نفسه، تحتاج أنقرة إلى روسيا في الطاقة والتجارة، وإلى آسيا الوسطى في النقل والتجارة، وإلى الصين باعتبارها قوة اقتصادية كبرى، وإلى أذربيجان ودول آسيا الوسطى في بناء المجال التركي الممتد شرقًا.
ومن ثم فإن السياسة التركية تبدو أقرب إلى «تعدد المحاور» منها إلى الانتقال من محور إلى آخر.
أذربيجان.. نقطة الارتكاز
وتحتل أذربيجان موقعًا خاصًا في هذه الاستراتيجية.
فالعلاقة بين أنقرة وباكو لا تقوم فقط على الروابط اللغوية والثقافية، وإنما تشمل التعاون الدفاعي والطاقة والنقل والتجارة.
ومن أذربيجان يمكن لتركيا أن تتصل بآسيا الوسطى عبر بحر قزوين، وهو ما يجعل باكو حلقة رئيسية في الممر الأوسط وفي مشروع الربط بين تركيا والعالم التركي.
وبالتالي فإن توسع تركيا في آسيا الوسطى لا يبدأ من الصفر، بل يعتمد على قاعدة استراتيجية قوية في القوقاز.
كازاخستان.. الشريك الاقتصادي الأبرز
وتؤكد الأرقام أن كازاخستان هي أهم الشركاء التجاريين لتركيا داخل منظمة الدول التركية.
وبلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 7.8 مليار دولار خلال 2025، وهو الرقم الأكبر بين أعضاء المنظمة.
وتكتسب كازاخستان أهمية تتجاوز التجارة، نظرًا إلى موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية ودورها في طرق النقل العابرة لآسيا الوسطى.
ولهذا فإن تعزيز العلاقات التركية-الكازاخية يخدم في الوقت نفسه أهداف أنقرة التجارية واللوجستية والطاقة والجيوسياسية.
ما الذي تريده تركيا من آسيا؟
يمكن تلخيص التحرك التركي في عدة أهداف متداخلة: فتح أسواق جديدة أمام الشركات التركية، تعزيز دور أنقرة في طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، تأمين خطوط ومصادر الطاقة، توسيع التعاون الدفاعي، وتعزيز النفوذ السياسي والثقافي في الجمهوريات ذات الروابط التركية.
لكن هناك هدفًا أكبر يتمثل في زيادة هامش الاستقلال الاستراتيجي.
فتركيا، بحكم موقعها بين أوروبا والشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى والبحر الأسود، تملك فرصة نادرة للتعامل مع أكثر من مركز قوة في وقت واحد.
والتحرك الحالي يبدو محاولة لتحويل هذه الجغرافيا إلى نفوذ سياسي واقتصادي دائم.
المنافسة على آسيا الوسطى
لكن التوسع التركي لا يحدث في فراغ.
فآسيا الوسطى أصبحت ساحة تنافس متزايد بين روسيا والصين وتركيا ودول غربية، مع سعي جمهوريات المنطقة إلى تنويع علاقاتها الخارجية وعدم الارتهان لقوة واحدة.
وتتمتع روسيا تاريخيًا بنفوذ واسع في المنطقة، بينما أصبحت الصين لاعبًا اقتصاديًا رئيسيًا من خلال التجارة والاستثمارات ومشروعات البنية التحتية.
وفي المقابل، تقدم تركيا نفسها كشريك يجمع بين القرب الثقافي والفرص التجارية والوصول إلى الأسواق الأوروبية.
وهنا تصبح منظمة الدول التركية أداة مهمة في بناء حضور تركي طويل الأمد، من دون أن تتحول بالضرورة إلى تحالف عسكري على غرار الناتو.
الاختبار الحقيقي أمام أردوغان
ويبقى السؤال: هل تستطيع تركيا تحويل هذه الشبكة من العلاقات إلى نفوذ استراتيجي متماسك؟
فالانتقال من التعاون الثقافي والاقتصادي إلى التكامل الحقيقي يحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية والنقل والطاقة، وإلى قدرة على التوفيق بين مصالح دول آسيا الوسطى المختلفة، التي لا تريد بالضرورة الانضمام إلى محور سياسي واحد.
كما أن رفع مستوى العلاقة مع منظمة شنغهاي إلى العضوية الكاملة ــ إذا تحول إلى مسار رسمي ــ سيكون أكثر حساسية من مجرد التعاون الحالي، بسبب طبيعة المنظمة وعلاقاتها الوثيقة بروسيا والصين، وبسبب عضوية تركيا في الناتو.
ولهذا يبدو أن أنقرة تفضل في المرحلة الراهنة توسيع مساحة الحركة بدل اتخاذ قرار استراتيجي نهائي.
وفى النهاية ما يحدث في السياسة التركية ليس انقلابًا على الغرب، ولا انتقالًا كاملًا إلى المعسكر الشرقي، وإنما محاولة لبناء شبكة نفوذ متعددة الاتجاهات.
ففي الغرب تحتفظ تركيا بعضوية الناتو وعلاقاتها الاقتصادية مع أوروبا، وفي الشرق تعمل على توسيع علاقاتها مع روسيا والصين، وفي آسيا الوسطى تستخدم الروابط التاريخية والثقافية عبر منظمة الدول التركية، بينما يمثل الممر الأوسط أداة اقتصادية وجغرافية لربط هذه الدوائر بعضها ببعض.
وتكشف الأرقام أن التحول ليس مجرد خطاب سياسي؛ فتجارة تركيا مع أعضاء منظمة الدول التركية بلغت 10.1 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بينما وصل حجم التجارة السنوي المُسنَد إلى آخر 12 شهرًا مع الدول الأعضاء والمراقبة إلى 27.8 مليار دولار في يوليو.
أما تصريحات أردوغان بشأن إمكانية العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي، فهي تمثل إشارة سياسية مهمة، لكنها لا تعني حتى الآن أن تركيا قررت مغادرة الغرب أو أنها بدأت إجراءات الانضمام الكامل.
والأرجح أن أنقرة ستواصل سياستها القائمة على توسيع الخيارات: الناتو للردع والأمن الغربي، أوروبا للتجارة والاستثمار، روسيا للطاقة والتعاون الإقليمي، ومنظمة الدول التركية لبناء المجال التركي، وشنغهاي لفتح نافذة أوسع على آسيا.
وبذلك تحاول تركيا تحويل موقعها الجغرافي من مجرد نقطة تقع بين الشرق والغرب إلى أداة قوة تسمح لها بالتأثير في الطرفين معًا.


