في تطور عسكري لافت يثير تساؤلات جديدة حول توازنات القوة في منطقة القرن الأفريقي، أعلنت إثيوبيا حصولها على مقاتلات روسية متطورة من طراز «سوخوي 35»، مع الإعلان عن صفقة أخرى تشمل أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي «إس 400»، في خطوة تفتح ملفات متعددة تتعلق بأهداف أديس أبابا العسكرية، وعلاقاتها بموسكو، وانعكاسات هذا التحرك على حسابات الأمن القومي المصري، في ظل استمرار الخلاف حول سد النهضة.
الإعلان جاء على لسان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال زيارته إلى موسكو للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية، حيث أشاد بدور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تسريع تسليم الطائرات، وقال إن القدرات الجديدة ستعزز أمن بلاده وقدرتها على ردع أي تهديدات محتملة.
لكن وراء الإعلان العسكري، يبرز سؤال جوهري: من أين جاءت الأموال اللازمة لتمويل هذه الصفقة، وما إذا كانت إثيوبيا قد تحملت تكلفتها من مواردها الذاتية أم حصلت على تسهيلات مالية من موسكو أو من أطراف أخرى؟
أولًا: من يمول الصفقة الإثيوبية؟
حتى الآن، لا توجد بيانات رسمية منشورة تكشف القيمة المالية للصفقة، أو شروط السداد، أو الجهة التي تتحمل التكلفة النهائية.
كما لم يعلن الجانب الإثيوبي عن قرض محدد لتمويل المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي، ولم تؤكد التقارير المتاحة وجود ممول خارجي مستقل عن الطرف الروسي.
دور الصين والإمارات في الصفقة
وبالتالي، فإن الحديث عن تمويل روسي مباشر، أو قرض صيني، أو تمويل خليجي أشارت تقرير إلى الإمارات، يظل في نطاق الاحتمالات غير المثبتة ما لم تظهر وثائق أو تصريحات رسمية تؤكده.
وتبرز روسيا بوصفها الطرف الأساسي المعروف في الصفقة، باعتبارها المورد المعلن للأسلحة، فضلًا عن العلاقات السياسية والعسكرية المتنامية التي تجمع موسكو وأديس أبابا.
غير أن كون روسيا هي المورد لا يعني بالضرورة بحسب وكالات إعلام روسية، أنها تتحمل تكلفة الأسلحة أو تقدمها مجانًا؛ فالفارق كبير بين بيع السلاح، ومنح قرض لشرائه، وتقديم تسهيلات للسداد، والتمويل الحكومي المباشر.
وقد أشار تقرير «رويترز» إلى أن الحكومة الإثيوبية لم تكشف قيمة الاتفاق، أو موعد وصول منظومات «إس 400»، أو أماكن نشرها.
ومن هنا، فإن تحديد الممول الحقيقي يتطلب الكشف عن العقود، وشروط الائتمان، ومصادر النقد الأجنبي، وأي ضمانات حكومية مرتبطة بالصفقة. وحتى ظهور هذه المعلومات، يبقى السؤال مفتوحًا، ولا يجوز تقديم اسم دولة باعتبارها الممول المؤكد دون دليل.
ثانيًا: لماذا سوخوي 35 وإس 400؟
تمثل مقاتلات «سوخوي 35» إضافة متقدمة إلى القدرات الجوية الإثيوبية، إذ تتيح تنفيذ مهام جوية متعددة، بينما تنتمي منظومة «إس 400» إلى أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى المصممة للتعامل مع طيف من التهديدات الجوية.
لكن امتلاك هذه الأنظمة لا يعني تلقائيًا تشغيلها بكامل كفاءتها؛ إذ يتوقف تأثيرها على جاهزية الطائرات، والتدريب، والصيانة، وتوافر الذخائر، وقدرة القوات على دمج المنظومات المختلفة ضمن شبكة قيادة وسيطرة واحدة.
ووفقًا لتقرير «رويترز»، أعلن آبي أحمد حصول بلاده على 12 مقاتلة، مع وصول منظومات الدفاع الجوي لاحقًا، دون تحديد موعد لتسليمها.
كما أشار تقرير متخصص نشرته «جينز» إلى أن الصور المنشورة خلال الزيارة الروسية أظهرت طائرتين تحملان العلامات الإثيوبية، وهو ما يوضح أهمية التمييز بين الإعلان عن إجمالي الصفقة والتفاصيل التي أمكن التحقق منهاا.
كيف قرأ الخبراء المصريون الخطوة الإثيوبية؟
في مصر، أعاد الإعلان فتح النقاش حول أهداف التوسع العسكري الإثيوبي، وما إذا كانت هذه الخطوة مرتبطة بالتوترات الإقليمية أم أنها تستهدف بالدرجة الأولى معالجة التحديات الأمنية داخل إثيوبيا.
وفي تحليل نشره موقع «مصراوي» يوم 28 أكتوبر، طرح الدكتور رمضان قرني، خبير الشؤون الأفريقية، قراءة تربط الصفقة بتصاعد التوتر مع إريتريا، إلى جانب الصراعات المسلحة الداخلية التي تواجه الحكومة الإثيوبية.
ويرى قرني أن الإعلان يحمل رسائل ردع إقليمية، وأنه قد يرتبط برغبة أديس أبابا في تعزيز موقعها العسكري في منطقة القرن الأفريقي، في وقت يتصاعد فيه الحديث الإثيوبي عن ضرورة الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.
كما تناول التحليل احتمال تخصيص جزء من قدرات الدفاع الجوي لحماية المنشآت الاستراتيجية، ومن بينها سد النهضة. لكن هذا الاحتمال يظل قراءة تحليلية، إذ لم تعلن الحكومة الإثيوبية مواقع نشر المنظومات أو تكشف عن المهام المحددة التي ستُخصص لها.
وتكشف هذه القراءة عن تعدد الأهداف المحتملة للصفقة؛ فهي قد ترتبط بتعزيز الأمن الداخلي، أو الردع في مواجهة إريتريا، أو توسيع النفوذ الإقليمي. ولا تكفي المعلومات المنشورة حتى الآن للجزم بأن مصر هي الهدف العسكري المباشر من هذه المشتريات.
ماذا تعني الصفقة بالنسبة لمصر وسد النهضة؟
تكتسب الصفقة أهمية خاصة من المنظور المصري بسبب الخلاف المستمر حول سد النهضة، وما يرتبط به من قضايا الأمن المائي وقواعد ملء السد وتشغيله.
ومن الناحية التحليلية، فإن امتلاك إثيوبيا قدرات جوية ودفاعية أكثر تطورًا يستدعي متابعة مصرية دقيقة للتغيرات في البيئة الأمنية الإقليمية. لكن تقييم أثر هذه القدرات يتطلب النظر إلى الصورة العسكرية كاملة، لا إلى أسماء الأسلحة وحدها.
فالمقاتلات لا تعمل بمعزل عن منظومات الاستطلاع والقيادة والسيطرة والتدريب، كما أن أنظمة الدفاع الجوي لا تمنح الدولة حصانة مطلقة. ولذلك لا يمكن استنتاج أن الصفقة ستغير ميزان القوى بصورة حاسمة، أو أنها ستمنح أديس أبابا قدرة مؤكدة على حماية كل منشآتها الاستراتيجية، دون معلومات تفصيلية عن مستوى التشغيل والجاهزية.
أما سياسيًا، فإن الخطوة تضع ملف التسليح الإثيوبي في سياق أوسع من قضية السد، يشمل العلاقات مع إريتريا والسودان، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، ودور القوى الدولية في المنطقة.
حدود الدور الروسي
يمثل التعاون العسكري مع روسيا امتدادًا لعلاقات سياسية وعسكرية قائمة بين البلدين.
ويأتي الإعلان عن الصفقة في وقت تسعى فيه موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع دول أفريقية، بينما تسعى أديس أبابا إلى تطوير قدراتها العسكرية في مواجهة تحديات داخلية وإقليمية متعددة.
لكن من المهم الفصل بين ثلاثة أمور: الدعم السياسي الروسي لإثيوبيا، والتعاون العسكري وتوريد الأسلحة، وتمويل المشتريات. فكل منها يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يثبت أحدها الآخر تلقائيًا.
كما أن تسريع تسليم الطائرات، وفقًا لتصريحات آبي أحمد، لا يكشف وحده عن الشروط المالية للعقد، ولا يوضح ما إذا كانت هناك ترتيبات ائتمانية أو اتفاقات إضافية لم يُعلن عنها.
تجاهل القاهرة
وحتى كتابة هذا التقرير لم تتمكن “جريدة الأمة الإلكترونية” من التحقق من صدور بيان رسمي مصري معلن يتناول صفقة «سوخوي 35» و«إس 400» الإثيوبية تحديدًا.


