في الأيام الأخيرة، دخلت شوارع جاكرتا ومدن إندونيسية أخرى مثل سورابايا، باندونغ، ميدان، ويوغياكرتا، في حالة غليان شعبي غير مسبوقة، بعد وفاة سائق التوصيل الشاب عفّان كورنياوان البالغ من العمر 21 عامًا، إثر دهسه من قِبل سيارة مدرعة تابعة للشرطة أثناء تفريق مظاهرة.
هذا الحادث المأساوي لم يكن مجرد حادث عابر، بل تحول إلى رمز غضب اجتماعي ضد السلطة، وأعاد فتح ملف العلاقة المتوترة بين الدولة والفئات الشعبية البسيطة، خصوصاً في ظل تفاقم الأزمات المعيشية واحتجاجات واسعة ضد ما يعتبره المواطنون امتيازات مبالغًا فيها للنخبة السياسية.
الشرارة الأولى: وفاة عفّان كورنياوان
في ظهيرة اليوم الذي شهدت فيه جاكرتا موجة احتجاجات على “إعانات النواب البرلمانيين”، كان كورنياوان يقوم بعمله المعتاد كسائق توصيل. لم يكن مشاركًا في المظاهرة أساساً، لكنه وجد نفسه وسط صدام عنيف بين قوات الأمن والمتظاهرين.
وبينما كانت الشرطة تحاول تفريق الحشود باستخدام القوة، دهست سيارة مدرعة الشاب، ليلقى مصرعه على الفور. سرعان ما انتشر الخبر، مدعومًا بمقاطع مصوّرة التقطها متظاهرون وهواتف المارة.
في غضون ساعات قليلة، تحولت وفاة كورنياوان إلى قضية وطنية تشغل الرأي العام، وخرجت الحشود الغاضبة إلى الشوارع مطالبة بالعدالة ومحاسبة المسؤولين.
احتجاجات تتحول إلى انتفاضة
بدأت التظاهرات كرد فعل على حادث الوفاة، لكنها سرعان ما توسعت بشكل لافت. في العاصمة جاكرتا، أشعل المتظاهرون النيران في سيارات حكومية وخاصة، ورشقوا قوات الشرطة بالحجارة والزجاجات.
قوات الأمن من جهتها ردّت بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، ما أدى إلى وقوع إصابات عديدة في صفوف المحتجين.
في سورابايا، حمل متظاهرون صور الضحية ورفعوا لافتات كتب عليها “دم عفّان ليس رخيصًا”، بينما هتف آخرون ضد البرلمان، معتبرين أن منح النواب إعانات مالية ضخمة في وقت يرزح فيه ملايين المواطنين تحت ضغوط اقتصادية “جريمة في حق الشعب”.
أما في باندونغ، فقد بدأت التظاهرات بوقفة احتجاجية سلمية لإشعال الشموع على روح كورنياوان، لكنها سرعان ما تحولت إلى مواجهة مفتوحة بعد أن حاولت الشرطة تفريق المشاركين.
المشهد ذاته تكرر في ميدان ويوغياكرتا: مظاهرات متفرقة، طرق مغلقة، سيارات محترقة، وقوات أمن عاجزة عن السيطرة الكاملة على غضب الشارع.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم الحدث. فقد انتشرت مقاطع الفيديو الخاصة بالحادث في كل مكان.
وجرى تداول وسم العدالة لعفّان على نطاق واسع. خلال ساعات قليلة، تحول الوسم إلى الأكثر تداولاً في إندونيسيا، ودخلت نقاشات غاضبة حول “عنف الشرطة”، و”امتيازات النواب”، و”معاناة الطبقات العاملة”.
تفاعلت شخصيات عامة وفنانون وناشطون حقوقيون مع القضية، معتبرين أن وفاة كورنياوان تمثل “إهانة جديدة للفقراء” و”صورة مصغرة لعدم المساواة في البلاد”.
الرواية الرسمية والارتباك الحكومي
أمام اتساع رقعة الغضب، حاولت الشرطة تدارك الموقف بإصدار بيان مقتضب أكدت فيه أن الحادث “غير مقصود” وأن التحقيق جارٍ لمعرفة ملابساته. لكن هذا التصريح قوبل بتشكيك واسع.
سياسيون من المعارضة استغلوا الموقف للتأكيد على “فشل الحكومة في حماية مواطنيها”، وطالبوا بفتح تحقيق مستقل وعدم ترك القضية في يد الأجهزة الأمنية وحدها، خشية طمس الحقائق.
الحكومة من جهتها بدت مرتبكة، إذ لم تصدر تصريحات واضحة في الساعات الأولى، واكتفت بدعوات إلى “التهدئة وضبط النفس”، الأمر الذي اعتبره المحتجون محاولة للالتفاف على القضية بدلًا من مواجهة جذورها.
جذور الغضب الشعبي
الوفاة المأساوية لعفّان لم تكن الشرارة الوحيدة، بل جاءت في سياق متأزم أصلًا. فإندونيسيا تعيش أزمة اقتصادية خانقة، مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع فرص العمل.
في المقابل، تداولت وسائل الإعلام تقارير عن إقرار البرلمان حزم إعانات وامتيازات مالية جديدة للنواب، وهو ما أثار استياءً شعبيًا عارمًا.
الكثير من الإندونيسيين يرون أن السلطة السياسية منفصلة تمامًا عن واقع الشعب، وأنها تضع مصالحها فوق معاناة المواطنين. لذلك، كان مقتل شاب فقير يعمل في مهنة متواضعة مثل “سائق التوصيل” بمثابة تجسيد حي للفجوة الطبقية وانعدام العدالة.
البعد الاجتماعي والنفسي
من الناحية الاجتماعية، أعادت الحادثة تسليط الضوء على هشاشة أوضاع الطبقات الشابة العاملة. فشباب مثل كورنياوان يعيشون على هامش المدينة الكبرى، يعملون ساعات طويلة مقابل دخل بالكاد يكفي للمعيشة، ويواجهون غياب أي ضمانات أو حماية اجتماعية.
وفاته بهذا الشكل المأساوي جعلت الكثير من الشباب يشعرون أن حياتهم مهددة دائمًا وأن الدولة لا تبالي بمصائرهم.
نفسيًا، خلقت الحادثة شعورًا بالظلم العميق، خصوصًا حين قورنت ظروف الضحية البسيطة بما يناله النواب من امتيازات ضخمة. هذا التناقض ساهم في تحويل الغضب الفردي إلى غضب جماعي، يتجاوز حدود الحادث نفسه إلى قضية أكبر: العدالة الاجتماعية.
تداعيات على المدى القريب
الوضع في الشارع ما يزال متوتراً، مع مخاوف من تصاعد أكبر للاحتجاجات إذا لم تتمكن الحكومة من اتخاذ خطوات ملموسة لامتصاص الغضب. السيناريوهات المحتملة تشمل:
1. فتح تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عن وفاة كورنياوان، وهو مطلب شعبي أساسي.
2. تجميد أو مراجعة إعانات النواب كخطوة رمزية لتخفيف الاحتقان.
3. الحوار مع قادة المجتمع المدني من أجل تهدئة الشارع.
لكن أي تأخير أو محاولة لطمس القضية قد يؤدي إلى انفجار أكبر، خاصة مع دخول النقابات الطلابية والعمالية على خط الاحتجاجات.
صورة أوسع: العلاقة بين الدولة والمجتمع
الاحتجاجات الأخيرة تكشف عن خلل عميق في علاقة الدولة بالمجتمع. فمن جهة، هناك أجهزة أمنية تميل إلى استخدام العنف المفرط، ومن جهة أخرى هناك مواطنون فقدوا الثقة في مؤسسات الدولة، ويرون أن النظام السياسي يخدم النخبة أكثر مما يخدم الشعب.
وفاة كورنياوان لن تُنسى بسهولة، بل ستظل رمزًا للفجوة المتسعة بين الدولة والمجتمع. قد تتحول ذكراه إلى شعار احتجاجي طويل الأمد، مثلما حدث في دول أخرى شهدت أحداثًا مشابهة، حيث تتحول أسماء الضحايا إلى رموز للمقاومة الشعبية.
بينما تحاول الحكومة الإندونيسية السيطرة على الموقف، يظل الشارع يغلي بالغضب. وفاة سائق التوصيل الشاب عفّان كورنياوان ليست مجرد حادث مأساوي، بل نقطة تحوّل في الحراك الاجتماعي والسياسي في البلاد.
لقد كشفت هذه الحادثة عن عمق الهوة بين الفقراء والنخبة السياسية، وعن هشاشة الثقة بين المواطنين والدولة.
الأسابيع القادمة ستكون حاسمة: فإما أن تستجيب الحكومة لمطالب الشارع بإصلاحات ملموسة، أو تواجه موجة احتجاجات أوسع قد تهز الاستقرار السياسي في أكبر دولة ديمقراطية في جنوب شرق آسيا.