تتصاعد موجة الاحتجاجات والإضرابات القطاعية في ليبيا، بعدما دخلت مرحلة أكثر حدة خلال الأيام الماضية، ما يهدد بإنهاك القطاعات الحيوية والدفع بها نحو الشلل التام، في وقت ترتفع فيه أصوات النقابات والشرائح العمالية بمطالب تعديل سلم المرتبات وزيادة الأجور لمواكبة غلاء الأسعار وموجات التضخم المتلاحقة.
ووضعت التحركات الاحتجاجية حكومة عبد الحميد الدبيبة أمام تحديات معقدة، إذ يتقاطع غضب الشارع المتزايد مع ضغوط مالية خانقة تحاصر الخزينة العامة، ما يحول أي استجابة لمطالب تحسين المعيشة إلى استنزاف إضافي لموارد الدولة المنهكة أصلًا.
تصعيد جديد عند مصفاة الزاوية
وشهد التصعيد النقابي محطة جديدة أكثر خطورة، بعدما أغلق منتسبو جهاز حرس المنشآت النفطية في غرب ليبيا البوابة الرئيسية لمجمع مصفاة الزاوية بالكامل، احتجاجًا على أوضاعهم المالية والإدارية، وذلك بعد أيام من اعتصام سابق طالبوا خلاله بتسوية أوضاعهم وتطبيق جدول الرواتب الموحد. ومنح المحتجون الحكومة مهلة 48 ساعة لتلبية مطالبهم، محذرين من خطوات تصعيدية أوسع في حال استمرار التجاهل.
المعلمون على أعتاب إضراب عام
في المقابل، تقترب مهلة الخمسة عشر يومًا التي منحها حراك المعلمين للحكومة من نهايتها، بعدما أُعلنت في السابع من سبتمبر الجاري للمطالبة بمعالجة المرتبات وتسوية الفروقات المالية وتوفير التأمين الصحي وتحسين الأوضاع الوظيفية. وأكد المتحدث باسم الحراك أن باب التفاوض ما يزال مفتوحًا بشأن آليات التنفيذ لا حول أصل الحقوق، لكنه أشار إلى أن الحراك لم يتلقَّ حتى الآن تواصلًا رسميًا مباشرًا بالقدر المطلوب من الجهات المعنية. وقد بدأت هذه الموجة مع انطلاق العام الدراسي الجديد منتصف سبتمبر، وامتدت من طرابلس ومدن الغرب كمصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى شرقًا وجنوبًا.
اتساع الحراك ليشمل الجامعات والمستشفيات والمتقاعدين
وامتدت دائرة الاحتجاجات لتطال المؤسسات التعليمية والصحية، إذ أعلن اتحاد جامعات ليبيا الاعتصام وتوقيف الدراسة مؤقتًا في مؤسسات عدة، أبرزها جامعة طرابلس، إلى حين صرف المستحقات المالية وتطبيق جدول الأجور الموحد، بالتوازي مع تعليق جزئي للخدمات في مستشفيات كبرى كمستشفى طرابلس الجامعي، واستمرار اعتصامات المتقاعدين المطالبين برفع الحدود الدنيا لمعاشاتهم.
أزمة مالية هيكلية تُقيّد خيارات الحكومة
وتتفاقم الأزمة في ظل بيانات مصرف ليبيا المركزي التي ترسم صورة قاتمة للتوازنات المالية؛ إذ استحوذ بند المرتبات وحده على نحو 73.3 مليار دينار ليبي (نحو 11 مليار دولار) من إجمالي إنفاق عام تجاوز 136.8 مليار دينار (نحو 21 مليار دولار)، ليقتطع قطاع الأجور ما يزيد على نصف موازنة الدولة.
وتشير المؤشرات الرسمية إلى تسارع خطير في الإنفاق الجاري، حيث ارتفع متوسط الاعتمادات الشهرية المخصصة للمرتبات والممولة من الخزانة العامة إلى أكثر من 6.2 مليار دينار شهريًا (نحو 950 مليون دولار)، وهو رقم مرشح للاتساع أكثر إذا استجابت الحكومة للمطالب الحالية دون توفير موارد بديلة، في وقت يسجل فيه المصرف المركزي عجزًا كبيرًا في استخدامات النقد الأجنبي، نتيجة ارتفاع الإنفاق مقابل تذبذب الإيرادات النفطية وتراجع أسعار الخام العالمي الذي يشكل أكثر من 90% من الدخل القومي لليبيا.


