يظل سؤال “من يقود الآخر؟” في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل واحداً من أكثر الأسئلة إثارةً للجدل في المجالين السياسي والإعلامي، خصوصاً في المنطقة العربية، حيث تتراوح الإجابات بين تفسيرات تميل إلى التبسيط عبر نظريات المؤامرة، وأخرى تحاول تفكيك العلاقة ضمن سياق أوسع من المصالح المتشابكة. هذا التقرير يستند إلى تحليل الباحث أحمد دعدوش عبر منصة “السبيل”، في محاولة لتقديم قراءة أكثر توازناً لهذه العلاقة المعقدة.
في الأدبيات العربية الكلاسيكية، برزت رؤية تعتبر إسرائيل كياناً وظيفياً يخدم المشروع الغربي، وهو طرح تبناه المفكر المصري عبد الوهاب المسيري، الذي رأى أن إسرائيل ليست دولة مستقلة بالمعنى الكامل، بل “جيب استيطاني” أُنشئ لخدمة مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ووفق هذا التصور، تؤدي إسرائيل دور قاعدة متقدمة للغرب في الشرق الأوسط، تُستخدم لحماية المصالح الاستراتيجية مثل تأمين الموارد ومنع صعود قوى إقليمية منافسة. ويعزز هذا الاتجاه المفكر الكويتي عبد الله النفيسي، الذي يرى أن إسرائيل تمثل أداة أو “وكيلًا” تستخدمه واشنطن للضغط والتدخل في المنطقة، مستشهداً بأحداث مثل حرب الخليج عام 1991، حين مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على إسرائيل لعدم الرد على الهجمات العراقية، وهو ما يُفهم منه أن القرار النهائي ظل بيد واشنطن.
في المقابل، برزت خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، أصوات من داخل الولايات المتحدة نفسها تطرح تصوراً مغايراً، مفاده أن لإسرائيل نفوذاً واسعاً داخل دوائر صنع القرار الأمريكي. من بين هذه الأصوات، يبرز اسم جو كينت، الذي أشار في تصريحات إعلامية إلى أن بعض السياسات الأمريكية، بما فيها التوجهات العسكرية تجاه إيران، قد تأثرت بضغوط إسرائيلية وجماعات ضغط مرتبطة بها. كما تحدثت السياسية الأمريكية مارجوري تايلور غرين عن نفوذ كبير للوبي المؤيد لإسرائيل داخل الكونغرس، في حين أشار توماس ماسي إلى وجود تأثير مباشر لجماعات الضغط على قرارات المشرعين، ما يعكس قلقاً متزايداً داخل بعض الأوساط السياسية الأمريكية من طبيعة هذا النفوذ، خاصة مع الدور البارز الذي تلعبه منظمات مثل AIPAC في دعم السياسات المؤيدة لإسرائيل.
على الجانب الآخر، تنفي إسرائيل رسمياً هذه الاتهامات، حيث يؤكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن بلاده تتخذ قراراتها بشكل مستقل، وفقاً لمتطلبات أمنها القومي، وليس بوصفها تابعاً لأي قوة دولية. وفي السياق الأكاديمي، تذهب بعض التحليلات إلى أن العلاقة بين الطرفين لا يمكن اختزالها في ثنائية السيطرة أو التبعية، بل هي أقرب إلى شراكة استراتيجية معقدة. ويشير الباحث جويل سوانسون إلى أن هذه العلاقة تقوم على تقاطع مصالح سياسية وعسكرية وأيديولوجية، مع وجود تأثير متبادل بين الطرفين، إلى جانب ملاحظة تراجع نسبي في مستويات التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
في ضوء هذه الطروحات المتباينة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من أي تفسير أحادي. فالولايات المتحدة وإسرائيل دولتان تتمتعان باستقلال مؤسسي واضح، لكنهما في الوقت ذاته ترتبطان بشبكة عميقة من المصالح المشتركة، تشمل الجوانب الاستراتيجية والعسكرية، إضافة إلى عوامل أيديولوجية ودينية، خاصة في ظل تأثير التيارات الإنجيلية في السياسة الأمريكية. كما تلعب جماعات الضغط دوراً مهماً في توجيه السياسات، لكنها تظل جزءاً من منظومة أوسع تشمل اعتبارات اقتصادية وتحالفات دولية وصراعات داخلية في مراكز صنع القرار.
في النهاية، لا يمكن اختزال العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في معادلة “من يقود الآخر”، بقدر ما يمكن فهمها باعتبارها علاقة تشابك مصالح معقدة، يتداخل فيها النفوذ مع الشراكة، والتأثير مع الاعتماد المتبادل. ومن هنا، فإن أي قراءة جادة لهذه العلاقة تقتضي الابتعاد عن التفسيرات المطلقة، والتعامل معها بوصفها نموذجاً مركباً من العلاقات الدولية في عالم متعدد المصالح والتوازنات.
المصدر:
تحليل الباحث أحمد دعدوش – منصة “السبيل” (YouTube)


