يشهد العالم اليوم واحدة من أعقد أزماته الغذائية في التاريخ الحديث، إذ تتقاطع تأثيرات الحروب والتغير المناخي والأزمات الاقتصادية لتشكّل عاصفة عالمية تهدد أمن الغذاء وحق الإنسان في المعيشة الكريمة.
فبحسب أحدث تقارير الأمم المتحدة لعام 2025، يعاني نحو 8.2% من سكان العالم، أي ما يقارب 673 مليون شخص، من الجوع المزمن، بينما يعجز أكثر من 2.6 مليار إنسان عن تحمل كلفة نظام غذائي صحي، وهو ما يعكس فجوة عميقة بين الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للغذاء.
ورغم هذا الجوع العالمي، تكشف الأرقام عن مفارقة صارخة: فالعالم يهدر ويُفقد كميات ضخمة من الطعام قبل أن تصل إلى موائد المستهلكين. وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن نحو 1.25 مليار طن من الغذاء، أي 13.2% من الإنتاج العالمي، تُفقد قبل أن تصل إلى الأسواق نتيجة مشكلات النقل والتخزين وسوء الإدارة الزراعية، فيما يُهدر ما يقرب من 1.05 مليار طن إضافية (19%) داخل المتاجر والمنازل والمطاعم، تتحمل الأسر وحدها 60% من هذا الهدر بسبب أنماط استهلاك غير رشيدة.
هذه الخسارة الغذائية ليست فقط كارثة إنسانية، بل بيئية واقتصادية أيضًا؛ إذ تؤدي عمليات الفقد والهدر إلى انبعاث ما بين 8% و10% من غازات الاحتباس الحراري العالمية، أي ما يعادل الانبعاثات السنوية الناتجة عن مجموع دول الاتحاد الأوروبي تقريبًا.
كما تضيع بسببها موارد حيوية هائلة — من مياه وطاقة وأراضٍ وموارد مالية — تُستهلك لإنتاج غذاء لا يصل إلى فم الجائع.
ويؤكد خبراء الأمم المتحدة أن الفقد والهدر لا يرتبطان بندرة الغذاء بل بسوء التوزيع وضعف البنية التحتية، خاصة في الدول النامية التي تعاني من غياب نظم النقل المبرد ومخازن الحفظ الحديثة. وفي المقابل، تتركز مشكلة الهدر في الدول الغنية نتيجة ثقافة الشراء الزائد، وسوء فهم تواريخ الصلاحية، والإفراط في الطبخ والتخزين المنزلي.
ويرى مختصون في الاقتصاد الأخضر أن معالجة هذه الأزمة تبدأ من إصلاح سلاسل الإمداد الغذائي وتطوير نظم التخزين والتبريد في مناطق الإنتاج، مع إطلاق حملات توعية شاملة لتغيير السلوك الاستهلاكي وتشجيع إعادة توزيع الفائض الغذائي على الفئات المحتاجة. كما يدعون الحكومات إلى إدراج برامج الحد من الهدر ضمن خططها المناخية الوطنية لما تمثله من فرصة حقيقية لتقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين الأمن الغذائي في آن واحد.
ويخلص التقرير إلى أن العالم لا يعاني من قلة الإنتاج بل من عدم عدالة التوزيع وسوء إدارة الموارد، وأن مواجهة الجوع لا تحتاج إلى زيادة الزراعة فقط، بل إلى إصلاح ثقافة الغذاء واستهلاكه على مستوى الدول والأفراد.
ففي زمن تُفقد فيه المليارات من الأطنان من الطعام، ويجوع فيه مئات الملايين، يبدو أن الحل ليس في إنتاج المزيد، بل في هدرٍ أقل وإنسانيةٍ أكثر.


