ارتفعت تكلفة الحصول على نظام غذائي صحي على مستوى العالم بنسبة 25% خلال خمس سنوات، لتصل إلى 4.28 دولار للفرد يوميًا وفقًا لتعادل القوة الشرائية (PPP)، في مؤشر يعكس الضغوط المتزايدة التي تواجهها الأسر، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، نتيجة موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء. وتُظهر أحدث بيانات الأمم المتحدة أن 2.69 مليار شخص حول العالم ما زالوا غير قادرين على تحمل تكلفة الغذاء الصحي، رغم التحسن الطفيف الذي شهدته بعض الاقتصادات في السنوات الأخيرة.
وقال ماكسيمو توريرو كولين، كبير الاقتصاديين بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، إن تكلفة النظام الغذائي الصحي ارتفعت من نحو 3.43 دولار يوميًا في عام 2019 إلى 4.28 دولار في عام 2024، وهو ما يمثل زيادة تقارب الربع خلال خمس سنوات، مدفوعة باستمرار التضخم العالمي وارتفاع أسعار الأغذية الأساسية وتكاليف النقل والطاقة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة عند مقارنتها بخط الفقر المدقع العالمي، الذي يقدره البنك الدولي بنحو 3 دولارات للفرد يوميًا وفق تعادل القوة الشرائية، ما يعني أن الحد الأدنى اللازم للحصول على غذاء صحي أصبح يتجاوز دخل مئات الملايين من الفقراء حول العالم، الأمر الذي يدفع العديد من الأسر إلى الاعتماد على أغذية أقل تكلفة لكنها أقل قيمة غذائية، بما يزيد من مخاطر سوء التغذية ونقص العناصر الأساسية، بل وارتفاع معدلات السمنة الناتجة عن استهلاك أطعمة رخيصة وعالية السعرات وفقيرة في المغذيات.
ويشير تقرير “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025” (SOFI 2025)، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بالشراكة مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، إلى أن التضخم الغذائي المرتفع أصبح أحد أكبر العوامل التي تعرقل تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، والمتعلق بالقضاء على الجوع وتحسين التغذية بحلول عام 2030.
ورغم انخفاض عدد غير القادرين على تحمل تكلفة الغذاء الصحي مقارنة بذروة الأزمة بعد جائحة كورونا، فإن التحسن ظل غير متوازن بين الأقاليم. فقد استفادت بعض الدول الآسيوية وأمريكا اللاتينية من تحسن الدخول وتراجع معدلات التضخم، بينما استمرت الأوضاع في التدهور داخل العديد من الدول منخفضة الدخل، خصوصًا في أفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء من غرب آسيا، حيث تزامنت الأزمات الاقتصادية مع النزاعات المسلحة والتغيرات المناخية.
ويؤكد خبراء الأمم المتحدة أن مشكلة الغذاء لم تعد ترتبط فقط بتوافره، وإنما بقدرة الأسر على شرائه. فحتى في الدول التي تشهد وفرة في الإمدادات الغذائية، يظل ارتفاع الأسعار عائقًا أمام الحصول على غذاء متوازن يفي بالاحتياجات الصحية، وهو ما يوسع الفجوة بين الأغذية الرخيصة مرتفعة السعرات والأغذية الغنية بالعناصر الغذائية مثل الفواكه والخضراوات والبروتينات ومنتجات الألبان.
ويرى التقرير أن معالجة الأزمة تتطلب سياسات متكاملة تشمل دعم الدخول للفئات الأكثر هشاشة، وتحسين إنتاجية القطاع الزراعي، وتقليل الفاقد والهدر الغذائي، والاستثمار في سلاسل الإمداد، إلى جانب زيادة التمويل المخصص لتحويل النظم الزراعية والغذائية لتصبح أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على توفير غذاء صحي بأسعار مناسبة. كما شدد ماكسيمو توريرو على أهمية توسيع مشاركة القطاع الخاص وزيادة التمويل الموجه للقطاع الزراعي والغذائي، باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لخفض تكلفة الغذاء الصحي عالميًا.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء، بالتزامن مع آثار التغير المناخي والنزاعات الجيوسياسية، قد يؤدي إلى إبطاء التقدم المحرز في مكافحة الجوع وسوء التغذية، ويجعل الوصول إلى نظام غذائي صحي تحديًا متزايدًا أمام مليارات البشر، خصوصًا في البلدان الأكثر فقرًا والأشد تعرضًا للصدمات الاقتصادية والغذائية.


