ما جرى في السنغال خلال الشهور الأخيرة من صراع بين الرئيس باشيرو ديوماي فاي ورئيس الوزراء المقال عثمان سونكو يتجاوز مجرد إقالة وزير أول وصعود رئيس جديد؛ بل إنه بداية يشكل، عقيدة سياسية” تقيّد حركة كبار المسؤولين وتجعل البقاء داخل البلد جزءا من العقد الضمني مع الشعب، لا حقا فرديا ينتهي بانتهاء المأمورية.
وقد جاء إعلان عثمان سونكو، قبل إقالته، وفق للخبير في الشئون الافريقية سلطان البان تعليق السفر الخارجي غير الضروري للوزراء وكبار المسؤولين، في ثوب التقشف ومواجهة المديونية وغلاء الوقود،
لكن هذا القرار يلمح في العمق يلمّح لفكرة أخطر: “المسؤول الذي يوقّع باسم الدولة ويقرّر مصير أجيال، لا ينبغي أن يحوّل جوازه الدبلوماسي إلى بوابة هروب آمن حين تنتهي ولايته أو تبدأ مساءلته”.
ديوماي فاي هو سونكو
خلف هذا المشهد، تتكثف مفارقة لافتة: رئيس جاء إلى السلطة على شعار”ديوماي فاي هو سونكو في إشارة إلى وحدة المصير والنهج، ينتهي به الأمر إلى إقالة صديقه وشريكه في النضال إثر خلافات سياسية معقدة، في وقت تتداول فيه المعارضة والشارع أسماء شركات وشبكات مصالح مرتبطة بمحيط الرجلين بوصفها رمزا لتضارب المصالح داخل السلطة الجديدة.
وبحسب تغريدة الباحث البان فإن الإقالة لا تُقرأ هنا كمجرد تعديل حكومي، بل كحركة لإعادة رسم حدود النفوذ بين رأسَي السلطة التنفيذية، ومعها تتقدم إلى الواجهة أدوات الضبط، من بينها التحكم في حق السفر والخروج من البلاد.

في المقابل،هناك معارضة سنغالية متعددة الأوجه، بعضها عرف السجون وبعضها يتحرك اليوم تحت قبة البرلمان، تحاول استثمار هذا التوتر لصياغة رواية تقول؛ إن السلطة الجديدة تعيد إنتاج منطق التحكّم في قواعد اللعبة، عبر فتح الباب أمام رئيس سابق وزعيم أغلبية سابق ليتنقل بين موقع الوزير الأول ومقعد النائب وفق ميزان القوة مع الرئيس، لا وفق نص الدستور وحده.
ضبط هامش حركة الوزراء
هنا تصبح صورة “نواب المعارضة وراء القضبان” – بالمعنى السياسي إن لم يكن الحرفي وفقا للباحث في الشئون الإفريقية – جزءا من سردية أوسع عن دولة تريد أن تُبقي خصومها داخل حدودها، وتحت عينها، بينما تضيق هامش الحركة أمامهم في الداخل والخارج معا.
وأشار إلي أن الخطر الذي يجب أن تلتقطه موريتانيا من هذا المشهد ليس في تفاصيل الخلاف الشخصي بين فاي وسونكو، بل في الفكرة التي تتسلل بهدوء إلى الفضاء السياسي في الجوار: أن حرية مغادرة البلاد بعد الخروجمن السلطة السلطة يمكن أن تتحول من حق دستوري إلى ورقة تفاوض وإخضاع، وأن أدوات “منع الهروب” قد تُلبس ثوب الإصلاح والشفافية والرقابة المالية،

لكن هذا التوجه في لحظة الأزمة قد تُستخدم لخنق المعارضة أو خصوم الأمس في السلطة. في بلد مثل موريتانيا، حيث الأسئلة معلقة حول الفساد، وتدوير النخب، ومآلات الانتقال السياسي، فإن أي قانون أو إجراء في الجوار يربط بين السلطة وحرية الحركة سيغذي خيالا شعبيا يطالب بتطبيقه، وقد يفتح شهية بعض الفاعلين لاستخدامه كسلاح سياسي.
ولهذا بالضبط، تبدو التجربة السنغالية الجديدة، وفقا للبان في جانبها المتعلق بمنع السفر و”ربط المسؤول بالتراب الوطني”، تجربة جذابة شعبيا لكنها مخيفة استراتيجيا، لأنها تمهّد لنموذج إفريقي تُدار فيه حرية المسؤول بين مطرقة الشارع وسندان السلطة، بينما يبقى المواطن البسيط المتضرر الأول من كل اهتزاز أمني أو اقتصادي يُولد في هذه المعادلة المتوترة بين دكار ونواكشوط.


