في وقت تتصاعد فيه المنافسة الدولية على النفوذ في القارة الأفريقية، اختارت الولايات المتحدة أن تغيب مجددًا عن المشهد، بعدما ألغى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس رحلته المقررة إلى جنوب أفريقيا وكينيا، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول جدية واشنطن في بناء شراكات استراتيجية مع دول القارة.
بينما تواصل الصين وروسيا تعزيز حضورهما السياسي والاقتصادي عبر الاستثمارات والبنى التحتية واتفاقيات الطاقة والدفاع، تبدو أميركا وكأنها تفرّط في واحدة من أكثر المناطق الواعدة بالعالم، تاركة فراغًا تملؤه قوى منافسة لا تُخفي طموحها في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية لأفريقيا.
إلغاء الرحلة مؤشر جديد على تراجع الأولويات الأميركية
كان من المقرر أن تشمل رحلة جيه دي فانس لقاءات مع مسؤولين كبار في نيروبي وبريتوريا، ومباحثات حول الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي، إلا أن الإلغاء المفاجئ للزيارة، دون مبررات مقنعة، عُدّ من قبل مراقبين “إشارة رمزية قوية على فتور الاهتمام الأميركي بأفريقيا”.
يقول الخبير في العلاقات الدولية الدكتور جورج كينان من معهد بروكنغز إن “واشنطن تُرسل إشارات متناقضة: فهي تعلن التزامها بالشراكة مع القارة، لكنها في الوقت ذاته لا تترجم ذلك بخطوات عملية، مما يفقدها المصداقية أمام العواصم الأفريقية”.
الصين وروسيا تملآن الفراغ.. سباق النفوذ في القارة السوداء

في المقابل، تستغل كل من الصين وروسيا هذا التردد الأميركي لبسط نفوذهما في القارة.
فالصين، عبر “مبادرة الحزام والطريق”، ضخت مئات المليارات في مشاريع بنى تحتية من الموانئ إلى السكك الحديدية، بينما تتوسع روسيا عبر صفقات السلاح والتعاون الأمني، خصوصًا في منطقة الساحل والقرن الأفريقي.
ويؤكد الباحث الكيني صامويل أوتينو أن “القارة اليوم لا تنتظر من يزورها، بل من يشاركها في التنمية”، مشيرًا إلى أن “الصينيين يأتون بعقود جاهزة وتمويل فوري، بينما الأميركيون يأتون بخطب عن الديمقراطية وشروط سياسية معقدة”.
الاقتصاد الأفريقي.. ساحة المستقبل التي تتجاهلها واشنطن
بحسب تقديرات البنك الدولي، فإن أفريقيا ستكون بحلول عام 2050 موطنًا لأكثر من ربع سكان العالم، مع نمو متسارع في الطبقة الوسطى والأسواق المحلية.
ومع ذلك، لا تتجاوز الاستثمارات الأميركية المباشرة في القارة 1.3% من إجمالي استثماراتها الخارجية، مقارنة بما يزيد عن 8% للصين.
ويرى الخبير الاقتصادي المصري د. فؤاد ناصر أن “الولايات المتحدة ما زالت تتعامل مع أفريقيا بعقلية التسعينيات، أي كساحة مساعدات لا كسوق استثمارية”، مضيفًا أن “هذا التفكير يجعلها تخسر الفرصة تلو الأخرى لصالح منافسين أكثر براغماتية”.
الفراغ الدبلوماسي وتأثيره على النفوذ الأميركي
غياب الزيارات رفيعة المستوى، وإغلاق بعض المكاتب الدبلوماسية، وتأخر التعيينات في السفارات الأميركية بأفريقيا كلها عوامل تُظهر ضعف الاهتمام المؤسسي الأميركي بالقارة.
ويقول المحلل السياسي الجنوب أفريقي ماتيوس سيزو نكوسي إن “الإلغاء الأخير ليس حدثًا عرضيًا، بل جزء من نمط متكرر، يجعل الأفارقة يشعرون بأنهم خارج الحسابات الأميركية الكبرى”.
كما أن هذا التراجع يترك المجال مفتوحًا أمام قوى إقليمية مثل تركيا والإمارات والهند، التي بدأت تبني لنفسها موطئ قدم سياسي وتجاري متقدم في مناطق كانت واشنطن تهيمن عليها سابقًا.
القرن الأفريقي والنفط والمعادن.. مصالح تتلاشى
تملك أفريقيا نحو 30% من ثروات العالم المعدنية، بما في ذلك الليثيوم والكوبالت والذهب والنفط، وهي موارد حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية.
لكن غياب الاستراتيجية الأميركية يجعل شركاتها تخسر السباق لصالح شركات آسيوية وأوروبية.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الولايات المتحدة فشلت حتى في الحفاظ على عقودها النفطية في نيجيريا وأنغولا، بعدما تحولت الشركات المحلية إلى شركاء آسيويين أكثر التزامًا واستمرارية.
واشنطن أمام لحظة الحقيقة
يبدو أن الولايات المتحدة تقف اليوم أمام لحظة مفصلية في علاقتها بالقارة الأفريقية؛ فإما أن تعيد ترتيب أولوياتها وتتعامل مع أفريقيا بوصفها شريكًا استراتيجيًا لا مجرد ساحة نفوذ، أو أن تستمر في سياسة الغياب، لتجد نفسها خارج معادلات المستقبل.
إن إلغاء زيارة جيه دي فانس ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل رمز لفقدان البوصلة الأميركية في عالم يتغير بسرعة.
وفي الوقت الذي تبني فيه الصين الموانئ، وتبرم روسيا صفقات الدفاع، وتستثمر دول الخليج في الطاقة والبنية التحتية، ما زالت واشنطن تتحدث عن “القيم” بينما تتبخر مصالحها على أرض الواقع.
خيبة أمل وتذكير بالتاريخ
قوبل القرار بموجة من الانتقادات في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية الأفريقية، حيث اعتُبر دليلاً جديدًا على “الازدواجية الأميركية” في التعامل مع القارة.
وفي جنوب أفريقيا، كتبت صحيفة Mail & Guardian: “يبدو أن واشنطن ما زالت ترى أفريقيا من وراء الزجاج، لا كحليف بل كموضوع للمحاضرات السياسية.”
أما في كينيا، فقد وصف الخبير في الشؤون الأفريقية باتريك نغوغي الإلغاء بأنه “مؤشر على أن واشنطن تخشى المواجهة مع حقائق جديدة في أفريقيا، حيث لم تعد الدول تنتظر المنح، بل تطالب بشراكات متكافئة.”
في المقابل، حاولت بعض الأوساط الدبلوماسية الأميركية التقليل من أهمية الإلغاء، مشيرة إلى “ظروف لوجستية وجدول مزدحم”، لكن التعليقات الأفريقية رأت أن المبرر “واهٍ وغير مقنع”.


