تعيش الدولة الألمانية على وقع انقسام سياسي وحقوقي غير مسبوق، إثر تصاعد وطأة التضييق على الحراك المناهض للحرب في غزة وتقييد الفعاليات المناصرة للحقوق الفلسطينية.
وتجد الحكومة الفيدرالية نفسها وسط معضلة موازنة دقيقة تتجاذبها الالتزامات التاريخية الموروثة تجاه إسرائيل من جهة، وضغوط المنظمات الحقوقية والأوساط الأكاديمية التي تحذر من انزلاق البلاد نحو قمع حرية التعبير وتوظيف تهمة “معاداة السامية” لخنق النقاش العام.
وفي حين كشفت التقارير الإخبارية لوكالات أنباء عالمية مثل “رويترز” و”فرانس برس” و”دويتشه فيله” عن اتساع الاحتجاجات وحملات التوقيف في برلين، يتقاطع هذا الحراك الميداني مع القفزات المتتالية لليمين المتطرف، ليضع المشهد الألماني بأكمله أمام اختبار مصيري يمس النسيج المجتمعي واستقرار المؤسسات الدستورية.
برلين تقيد التظاهر
تحولت العاصمة الألمانية إلى الشريان الرئيسي للحراك الشعبي والحقوقي، متأثرة بوجود كتل سكانية عربية وفلسطينية واسعة إلى جانب صرح جامعي ونشط.
ونقلت وكالات الأنباء العالمية إقدام السلطات الأمنية على حظر مسيرات واعتقال مئات النشطاء وتفتيش مراكز ثقافية، مما أثار موجة غضب عارمة بين المثقفين والأكاديميين -من بينهم كتاب وشخصيات يهودية مناهضة للصهيونية- الذين أصدروا عروضاً وبيانات تشجب الخلط بين مناهضة الاحتلال الإسرائيلي ومعاداة السامية.
الأصوات اليهودية
وسلطت وكالات الأنباء الضوء على مشاركة بارزة لنخب يهودية ألمانية في ندوات واعتصامات مفتوحة داخل الجامعات، منتقدين جرائم الإبادة والسياسات العسكرية الإسرائيلية.
وأكدت هذه الأصوات أن الدفاع عن المدنيين والتنديد بالانتهاكات يتسق مع قيم حقوق الإنسان العالمية والدروس المستفادة من التاريخ، مشددين على رفضهم المطلق لاستغلال الإرث التاريخي لليهود لتبرير مصادرة حرية الرأي وحظر الكوفية والشعارات السلمية.
الموقف الحكومي
في المقابل، تُجدد الرئاسة والحكومة الألمانية التأكيد على أن أمن إسرائيل يمثل “عقيدة دولة” وثابتاً سياسياً يرجع لجرائم الحقبة النازية.
وتصر الجهات الرسمية على أن القيود الميدانية والتواجد الشرطي المكثف يستهدفان منع اضطراب الأمن العام وتطبيق القانون، مؤكدة أن إجراءاتها موجهة ضد الخطابات التحريضية وليس ضد التعبير عن المواقف السياسية المعارضة.
التحقيقات القضائية
تناولت التغطيات الإعلامية والتحقيقات القضائية زيف عدد من الاتهامات التي وُجّهت بداية لمهجرين ومسلمين بشأن حوادث معاداة للسامية وشغب؛ إذ أثبتت نتائج التحقيقات الرسمية عدم مسؤوليتهم عنها.
وهو ما دفع مراكز بحثية للتحذير من ظاهرة الاستقطاب وتغذية “الإسلاموفوبيا”، والتسرع في وصم مكونات دينية وعرقية بأكملها بناءً على ادعاءات غير موثوقة.
“البديل من أجل ألمانيا”
توازياً مع التوتر الاجتماعي، يرصد المراقبون الشوط الكبير الذي قطعه حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف في استطلاعات الرأي والانتخابات المحلية.
وحسب تقارير الوكالات الدولية، يثير هذا التمدد ذعراً واسعاً لدى الأحزاب التقليدية والأقليات والمنظمات اليهودية، بالنظر لرؤية الحزب المناهضة للهجرة وتشكيك رموزه المتردد في إرث الذاكرة التاريخية الألمانية.
تحذيرات اليهود
جدد المجلس المركزي لليهود في ألمانيا تحذيراته من المخاطر الجسيمة لتنامي نفوذ اليمين المتطرف، مؤكداً أن الخطاب القومي المتشدد لقيادات الحزب يهدد النظام الديمقراطي والأمن الشخصي للأقليات.
ودعا المجلس الكتل السياسية الرئيسية للوقوف بحزم ضد جميع أشكال التطرف وعدم التهاون مع الخطابات العنصرية التي تنشر الكراهية.
تقاطع المسارات
يرى محللون سياسيون أن ألمانيا تقف عند نقطة التقاء ثلاثة مسارات شائكة: التزام رسمي مطلق بدعم تل أبيب، واتساع القاعدة الشعبية والأكاديمية الرافضة للسلوك الإسرائيلي، مع تمدد يمين متطرف يعيد رسم الخريطة الحزبية ويستغل ملف المهاجرين والحرية للضغط على الحكومة.
المستقبل الدستوري
يرى متخصصون في الشأن الأوروبي أن السنوات المقبلة ستشهد مواجهات تشريعية وسياسية أكثر شراسة حول إعادة تعريف الحدود الفاصلة بين مكافحة معاداة السامية وضمان حق الانتقاد المكفول دستورياً.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي الصدام المستمر إلى تآكل النموذج الديمقراطي الألماني وتعقيد سياسات الاندماج الاجتماعي.
وتضع التحولات الراهنة التجربة الديمقراطية الألمانية أمام اختبار استثنائي؛ حيث بات التوازن بين “مسؤولية التاريخ” وصيانة الحريات الأساسية أمراً في غاية التعقيد.
إن استمرار التضييق على المظاهرات بالتوازي مع الصعود المتسارع للتيارات اليمينية المتطرفة لا يهدد السلم الأهلي الداخلي فحسب، بل يضع السياسة الخارجية لألمانيا وصورتها كراعٍ لحقوق الإنسان تحت مجهر الرصد والتحليل على الساحتين الأوروبية والدولية.


