في تحول لافت يعيد رسم خارطة الثروات العالمية، بدأ بريق “الاستثنائية الأمريكية” الذي هيمن على الأسواق لسنوات في الخفوت تدريجياً، ليفسح المجال أمام استراتيجيات استثمارية أكثر تنوعاً.
وبينما كانت البورصات الأمريكية تُعد حصناً منيعاً ضد الأزمات، تُرسل الأرقام الحالية إشارات خفية بأن مركز الثقل المالي بدأ يزحف نحو وجهات جديدة، مدفوعاً بمتغيرات جيوسياسية وتقييمات سعرية وصلت إلى مستويات تاريخية مرهقة.
تصحيح المسار.. هل انتهى زمن الهيمنة المطلقة؟
تشير البيانات إلى أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500، الذي استحوذ في ديسمبر 2024 على نسبة قياسية بلغت 64.3% من مؤشر فوتسي العالمي، قد بدأ في التراجع لتصل حصته اليوم إلى 60.4%.
هذا الانخفاض يعزز مصطلح “التوسع” (Broadening) الذي يتردد بقوة في أروقة البنوك الاستثمارية، حيث يرى الخبراء أن الارتفاع القادم في الأسواق ستقوده قطاعات وجغرافيات خارج حدود الولايات المتحدة.
عوامل الابتعاد عن المركزية الأمريكية
اولا.. ضبابية السياسات: حالة من القلق تجاه توجهات إدارة ترامب التجارية والصناعية، والضغوط التي تواجه استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ثانيا.. ضعف العملة: التراجع الملحوظ في مؤشر الدولار (DXY) أمام العملات الرئيسية.
ثالثا.. فقاعة التقييمات: تداول الأسهم الأمريكية ضمن أعلى 10% من نطاقاتها التاريخية، مما يجعلها عرضة للاهتزاز عند أي صدمة في الثقة.
رابعا.. تحديات الذكاء الاصطناعي: مخاوف متزايدة حول صمود نماذج أعمال شركات البرمجيات الكبرى أمام منصات الذكاء الاصطناعي الناشئة.
الأسواق الناشئة.. العملاق المستيقظ
في ظل التراجع النسبي للأسواق الأمريكية، تبرز الأسواق الناشئة كخيار جذاب للمستثمر الجريء.
فرغم أن مؤشر MSCI للأسواق الناشئة، يتداول عند أدنى مستوياته النسبية مقارنة بالأسهم الأمريكية، إلا أنه بدأ بالفعل في تجاوز قمم تاريخية جديدة، مدعوماً ببيئة اقتصادية مواتية.
ويُعد ضعف الدولار المحفز الأكبر لهذه الأسواق، كونه يخفف أعباء الديون المقومة بالعملة الصعبة، بالتزامن مع الارتفاع القياسي في أسعار السلع الأساسية والمعادن والنفط، وهي الموارد التي تُعد هذه الدول المنتج الرئيسي لها.
خارطة الفرص.. من التكنولوجيا الآسيوية إلى إصلاحات أمريكا اللاتينية
لا تبدو الأسواق الناشئة كتلة واحدة، بل تتباين فرصها ومخاطرها وفقاً للجغرافيا والقطاعات:
مثلا فى آسيا والمحيط الهادئ، يستفيد مؤشر المنطقة من الثورة التقنية، مدعوماً بعمالقة الرقائق مثل TSMC وسامسونج، وقوة الذكاء الاصطناعي لدى منصات الإنترنت الصينية مثل علي بابا وتينسنت
وفى أمريكا اللاتينية: تشهد انتعاشاً مدفوعاً بتحولات سياسية نحو اليمين في دول مثل الأرجنتين وبيرو، إلى جانب نجاح الإصلاحات في كبح التضخم وفتح الباب لخفض أسعار الفائدة.
و رغم الفرص الواعدة، تظل الأسواق الناشئة محفوفة بمخاطر سياسية وتقلبات في العملات والحوكمة.
ولتقليل هذه المخاطر، يُنصح باللجوء إلى الصناديق المدارة (نشطة أو سلبية) التي توفر تنوعاً واسعاً في سلة من البلدان والقطاعات مقابل رسوم محددة.


