الغلو الديني سيبقى ما بقيت هيمنة التغريب، ولن يضعف إلا بضعفها
في كتابه “الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر”، يعود البشري ليؤكد على أن ظهور الحركة الإسلامية في المجتمع المصري جاء كرد فعل على صعود تيار التغريب في السياسة والمجتمع، ومحاولة صبغ المجتمع والدولة بصبغة لا تتوافق مع هوية المجتمع وجذره الحضاري وقيمه الأخلاقية الراسخة، وهو يقرأ بذكاء شديد، أن الحركة الوطنية المصرية ونضالها من أجل التحرر طوال القرن التاسع عشر كان يمتزج فيها النضال السياسي مع الروح الإسلامية ونزعة التجديد والإحياء الإسلامي، فكان قادة النضال السياسي هم أنفسهم قادة الدفاع عن الهوية الإسلامية والجامعة الإسلامية، على النحو الذي برز بوضوح مع تجربة الشيخ محمد عبده ثم مع الحزب الوطني بزعامة مصطفي كامل، غير أن الأمور اختلفت كثيرا بعد الحرب العالمية الأولى (1918)، حيث انفصل التوجهان، السياسي والفكري، فأصبحت القيادة السياسية الوطنية تمضي منفصلة عن الإحياء الديني، وبدا أن النضال السياسي في طريق آخر غير طريق النضال الثقافي والحضاري، فبرز لهذا رجال ولذاك رجال، وتوافق ذلك مع إنهاء الوجود الرمزي للخلافة العثمانية، آخر ظل لسلسلة الخلافة التي حكمت العالم الإسلامي منذ عصر النبوة، واحتفال النخب العلمانية بهذا الحدث، فكان طبيعيا، وفق سياقات التدافع التاريخي أن تنشأ قوى اجتماعية وسياسية جديدة كرد فعل على هذا التوجه، لتملأ فراغا مجتمعيا حقيقيا.
يوضح البشري ذلك بقوله: ” مع انتهاء الحرب العالمية الأولى في 1918، وفي السنوات القليلة التالية، تبدل الموقف، وأهم أوجه التغيير تعلقت بثلاثة أمور، أولها ظهور ما يمكن تسميته بالوطنين المتغربين أو بالوطنية العلمانية وقيادة هذا التيار السياسي بنماذج البناء الحضارية الغربية، وبدا هذا العنصر كما لو أنه انتصار حاسم للعلمانية والتغريب، وثانيها الغاء الخلافة العثمانية الإسلامية في تركيا، بما أفقد الإسلامية السياسية المؤسسة المجسدة لهويتها، وثالثها تجزئة بلادنا وتقسيمها أشلاء مبعثرة بين القوى الأوربية المنتصرة.
في هذا الظرف التاريخي، وقبل أن تمضي عليه سنوات قليلة، ظهرت الحركة الإسلامية السياسية. وكانت قد انفصلت الحركة الوطنية السياسية بقيادتها، عن حركة المقاومة الفكرية والحضارية للوافد الأجنبي. فاستوجب هذا الميدان جيشا آخر وقادة آخرين. ولقد قوى المد التغريبي والعلماني بعد أن أكسبته القيادة العلمانية الوطنية شرعية الوجود في المجتمع، وبعد أن تشكل نموذج الإحياء الوطني على وفق صيغ الغرب. فعظم الصراع واحتدم في هذا الميدان، تقاوم فيه الحضارة الموروثة عن وجودها، فكرا وعقيدة. ولقد الغيت الخلافة كمؤسسة جامعة وزالت من الوجود وتناثرت البلاد أشلاء، فلزم لم الشمل من جديد. وليس صدقة أن تظهر الحركة الإسلامية السياسية وتنمو سريعا في مصر، البلد الذي لم تكن العروبة كدعوة جامعة قد انتشرت فيه بعد”.
يخلص الحكيم البشري من ذلك إلى القول بأن السياق التاريخي لمصر الحديثة يوضح أن صعود الحركات الإسلامية إنما جاء كرد فعل على تصدر التيار التغريبي للعمل السياسي والعمل الفكري معا، وانفصال النضال من أجل الاستقلال السياسي عن النضال من أجل الاستقلال الفكري والهوياتي، ومن ثم يؤكد على أن هذه الجدلية ستظل قائمة طالما اتسع نطاق التغريب إلا إذا تصورنا أن مصر تحولت إلى أندلس أخرى يمحى فيها أثر الإسلام على حد تعبيره.
اقرأ أيضًا:جمال سلطان يكتب: رؤية البشري للحركة الوطنية المصرية (1/2) |
يقول البشري: ” ظهرت الحركة الإسلامية مع هيمنة التغريب وتصاعدت مع تصاعده، وهي تعتو مع عتوه، وفي إطار هذا الوعاء العام للسببية، يمكن إضافة الأسباب الأخرى المكملة (التي سبق نقض تفردها بتفسير ظهور التيار الإسلامي)، وهي ستكون صحيحة بقدر أو بآخر في هذا الحيز من الصورة العامة، ويبدو لي أن الغلو سيبقى بدرجات شتى وأشكال متنوعة وعلى فترات ممتدة أو متقطعة ما بقيت هيمنة التغريب، ولن يضعف إلا بضعفها، أو أن يلقى أي من بلادنا مصير الأندلس، وقانا الله شر ذلك المصير”.
وضع البشري لظاهرة الحركات الإسلامية، والغلو الديني، في سياقها التاريخي والاجتماعي يمثل مفتاحا لفهم هذه التجربة التاريخية، والممتدة طوال قرن من الزمان وحتى اليوم، ويمثل أيضا مدخلا مهما للغاية لأي معالجة لتلك التجربة وآثارها ومستقبلها، ومعالجة ظاهرة الغلو الديني نفسها، كما تمثل رؤية البشري ـ وهو الأهم ـ مفتاحا لأي مشروع مستقبلي لصياغة حركة وطنية مصرية حقيقية جامعة، تبسط روح الاعتدال في النسيج الاجتماعي، بعيدا عن طرفي الغلو، الديني والتغريبي أو العلماني، وتناضل من أجل الاستقلال السياسي والثقافي، وتوفر طاقة القوى الوطنية للبحث عن مشروع عملي لحياة أفضل للمصريين، يمكن زرعه في “التربة” الحضارية المصرية، ويلامس هوية شعبها ومنظومة قيمه، بدلا من استنزاف الجميع في صراعات فكرية وايديولوجية مهدرة للطاقة، ومشتتة للرؤية، تقسم المجتمع، وتبعثر قواه الحية، وتباعد خطانا عن المستقبل الأرشد المأمول.


