غدت جيبوتي، الدولة العربية الصغيرة الواقعة عند مدخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إحدى أهم نقاط التنافس الجيوسياسي في العالم.
ومن هنا يجب الوضع في الاعتبار أن عدد سكانها لا يتجاوز مليون نسمة، فإن موقعها الإستراتيجي على أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا منحها أهمية استثنائية، حيث يمر عبر مضيق باب المندب ما بين 10 و12% من التجارة العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المتجهة من الخليج إلى أوروبا.

وتضم أراضي جيبوتي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في إفريقيا، وهي معسكر ليمونييه الذي تستخدمه الولايات المتحدة منذ عام 2002 مركزًا لعملياتها العسكرية والاستخباراتية في القرن الإفريقي واليمن ومنطقة البحر الأحمر.
وفي المقابل افتتحت الصين أول قاعدة عسكرية خارج أراضيها في جيبوتي عام 2017على بعد كيلومترات قليلة من القاعدة الأمريكية، وهو ما اعتبره كثير من المحللين نقطة تحول في الإستراتيجية الصينية.
قواعد أمريكية وصينية
السياسة الصينية تشير في هذا السياق إلي أن القاعدة مخصصة لدعم عمليات مكافحة القرصنة، وتأمين الملاحة، والمشاركة في مهام حفظ السلام والإجلاء الإنساني.
غير أن وزارة الدفاع الأمريكية ترى أن القاعدة تمنح الصين قدرة متزايدة على دعم عملياتها البحرية بعيدة المدى، وتعكس انتقال البحرية الصينية من قوة إقليمية إلى قوة ذات انتشار عالمي.
وفي هذالا السياق ، الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية الإفريقية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، بول نانتوليا أن جيبوتي تمثل نموذجًا واضحًا للتنافس بين القوى الكبرى، لأن الصين لم تكتف ببناء قاعدة عسكرية،
بل استثمرت أيضًا في الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الحرة، ما منحها حضورًا اقتصاديًا وأمنيًا متشابكًا في الدولة الواقعة عند مدخل البحر الأحمر.
وبدورها رأي المستشار السابق لشؤون إفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي جود ديفرمونت، ا، فيؤكد أن واشنطن باتت تنظر إلى القرن الإفريقي باعتباره جزءًا من المنافسة العالمية مع الصين، وليس فقط من زاوية مكافحة الإرهاب كما كان الحال بعد أحداث 11 سبتمبر. ويرى أن تأمين الممرات البحرية وسلاسل الإمداد أصبح عنصرًا رئيسيًا في الإستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة.
ومن الجانب الصيني، يشير المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان، ، في تصريحات رسمية متكررة، إلى أن بكين ترفض وصف وجودها العسكري في جيبوتي بأنه توسع عسكري، مؤكدًا أن القاعدة تقدم خدمات لوجستية للقوات الصينية المشاركة في عمليات حفظ السلام الدولية ومكافحة القرصنة في خليج عدن.

وومن جانبه مدير برنامج إفريقيا في معهد تشاتام هاوس، أليكس فاينز، أن أهمية جيبوتي لا تنبع فقط من موقعها الجغرافي، بل من تحولها إلى مركز لوجستي يربط شرق إفريقيا بالأسواق العالمية. ويضيف أن المنافسة بين واشنطن وبكين تتجاوز الوجود العسكري لتشمل تمويل البنية التحتية، والموانئ، وخطوط السكك الحديدية، والكابلات البحرية، والاتصالات الرقمية.
الباحث في مركز إفريقيا بجامعة جورجتاون، أشار كذلك إلى أن دول القرن الإفريقي تحاول الاستفادة من التنافس الدولي للحصول على استثمارات وتمويل أكبر، دون الانحياز الكامل لأي طرف، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية.
وتمن هنا برز أهمية جيبوتي أيضًا في مشروع السكك الحديدية الذي يربطها بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والذي موّلته الصين، وأصبح شريانًا رئيسيًا للتجارة الإثيوبية، حيث تعتمد إثيوبيا على موانئ جيبوتي في أكثر من 90% من تجارتها الخارجية.
مواجهة النفوذ الصيني
وتشير تحليلات مؤسسة راند والمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إلى أن البحر الأحمر والقرن الإفريقي سيظلان من أكثر مناطق العالم حساسية خلال السنوات المقبلة، في ظل التنافس على الموانئ، والكابلات البحرية، وخطوط الطاقة، وتأمين حركة السفن التجارية.
كما يرى خبراء مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن جيبوتي تمثل اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على نفوذها التقليدي في مواجهة التوسع الاقتصادي والعسكري الصيني.
ومع استمرار الاضطرابات في البحر الأحمر، وتزايد أهمية سلاسل الإمداد العالمية، يتوقع الباحثون أن يتواصل اهتمام القوى الكبرى بجيبوتي، وأن تبقى الدولة الصغيرة لاعبًا محوريًا في معادلة الأمن البحري الدولي، رغم محدودية مواردها ومساحتها.


