اصطحب الجيش الإسرائيلي صحفيين إلى رفح، المدينة الواقعة في أقصى جنوب غزة والتي سيطرت عليها القوات العام الماضي ودمرتها إلى حد كبير، في الوقت الذي وصل فيه وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، والذي مضى عليه شهران، إلى نقطة حرجة. وقد حظرت إسرائيل دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة منذ بدء الحرب قبل أكثر من عامين، باستثناء زيارات نادرة وقصيرة تحت إشراف الجيش، مثل هذه الزيارة.
رافق الجنود الصحفيين داخل نفق، وصفوه بأنه أحد أهم وأعقد الطرق تحت الأرض التابعة لحماس، والتي تربط مدن القطاع المحاصر، ويستخدمها كبار قادة حماس. أعلنت إسرائيل أن حماس احتجزت جثة رهينة في الممر تحت الأرض: هدار غولدين، جندي يبلغ من العمر 23 عامًا، قُتل في غزة قبل أكثر من عقد من الزمان، وظلت رفاته محتجزة هناك.
أعادت حماس جثة غولدين الشهر الماضي في إطار وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في الحرب التي اندلعت إثر هجوم شنته الحركة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على جنوب إسرائيل، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص واحتجاز المئات كرهائن. ووفقًا لوزارة الصحة في غزة، التي تعمل تحت إدارة حماس، فقد أسفر الهجوم الإسرائيلي الانتقامي عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني. ولا تُفرّق الوزارة بين المدنيين والمقاتلين، لكنها تقول إن نحو نصف القتلى من النساء والأطفال.
وتوشك إسرائيل وحماس على إنهاء المرحلة الأولى من الهدنة، التي نصت على إعادة جميع الرهائن، أحياءً وأمواتًا، مقابل إطلاق سراح الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل. ولم يتبق سوى جثة رهينة واحدة لم تُعاد بعد.
يحذر الوسطاء من أن المرحلة الثانية ستكون أكثر صعوبة بكثير، إذ تتضمن قضايا شائكة، مثل نزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيل من القطاع. وتسيطر إسرائيل حاليًا على أكثر من نصف غزة.
ومن المقرر أن يسافر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن هذا الشهر لمناقشة الخطوات المقبلة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتنتشر أكوام الأنقاض على طول طرق رفح.
في العام الماضي، شنت إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق في رفح، حيث لجأ العديد من الفلسطينيين هربًا من الهجمات في أماكن أخرى. وأسفرت المعارك الضارية عن تدمير جزء كبير من المدينة وتشريد ما يقرب من مليون فلسطيني. هذا العام، عندما سيطر الجيش الإسرائيلي إلى حد كبير على المدينة، قام بهدم معظم المباني المتبقية بشكل منهجي، وفقًا لصور الأقمار الصناعية.
كما سيطرت القوات على معبر رفح الحيوي وأغلقته، وهو البوابة الوحيدة لغزة إلى العالم الخارجي التي لم تكن تحت سيطرة إسرائيل.
أعلنت إسرائيل أن رفح هي آخر معاقل حماس الرئيسية، ومفتاح تفكيك قدراتها العسكرية، وهو هدف رئيسي في الحرب.
خلال جولة في رفح يوم الاثنين، اصطفت أكوام من الخرسانة المحطمة والأسلاك والمعادن الملتوية على جانبي الطرق، ولم يبقَ سوى عدد قليل من المباني، ولم ينجُ أي منها من الدمار. وتناثرت على الأرض بقايا حياة الناس: مرتبة إسفنجية، ومناشف، وكتاب يشرح القرآن.
في الأسبوع الماضي، أعلنت إسرائيل استعدادها لإعادة فتح معبر رفح، ولكن فقط لمغادرة القطاع. يخشى المصريون والعديد من الفلسطينيين أنه بمجرد مغادرة الناس، لن يُسمح لهم بالعودة. ويقولون إن إسرائيل ملزمة بفتح المعبر في كلا الاتجاهين.
وقد صرحت إسرائيل بأن الدخول إلى غزة لن يُسمح به حتى تستلم جميع الرهائن المتبقين في القطاع.
يمر النفق الذي اصطحب الصحفيون عبره أسفل ما كان يُعرف سابقًا بحي سكني مكتظ بالسكان، تحت مجمع للأمم المتحدة ومساجد. اليوم، رفح مدينة أشباح. تحت الأرض، شقّ الصحفيون طريقهم بحذر بين الكابلات المتدلية والألواح الخرسانية غير المستوية المغطاة بالرمال.
يقول الجيش إن النفق يزيد طوله عن 7 كيلومترات (4 أميال) ويصل عمقه إلى 25 مترًا (82 قدمًا)، وكان يُستخدم لتخزين الأسلحة والإقامة لفترات طويلة. وأضاف أن كبار قادة حماس كانوا هناك خلال الحرب، بمن فيهم محمد السنوار، الذي يُعتقد أنه كان يدير الجناح العسكري لحماس، وهو الشقيق الأصغر ليحيى السنوار، القيادي في حماس الذي ساهم في تدبير هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. وقد أعلنت إسرائيل أنها قتلت كليهما.
وقال المقدم نداف شوشاني: “ما نراه هنا مثالٌ واضحٌ لما فعلته حماس بكل الأموال والمعدات التي جُلبت إلى غزة على مر السنين. لقد استولت حماس عليها وبنت مدينةً تحت الأرض لأغراض الإرهاب واحتجاز الرهائن”.
لطالما اتهمت إسرائيل حماس باختلاس الأموال لأغراض عسكرية. بينما تؤكد حماس أن الفلسطينيين شعب محتل ولهم الحق في المقاومة، إلا أن للحركة جناحًا مدنيًا، وقد أدارت حكومةً قدمت خدماتٍ أساسية كالصحة والشرطة والتعليم.
ولم يحسم الجيش الإسرائيلي بعدُ مصير النفق، إذ قد يُغلقه بالخرسانة، أو يُفجّره، أو يحتفظ به لأغراض استخباراتية، ضمن خيارات أخرى.
ومنذ بدء وقف إطلاق النار، قُتل ثلاثة جنود في اشتباكات مع نحو 200 مقاتل من حماس، يقول مسؤولون إسرائيليون ومصريون إنهم ما زالوا مختبئين تحت الأرض في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل.
وقد نفت حماس مسؤوليتها عن أي حوادث وقعت في رفح، مؤكدةً انقطاع الاتصالات مع وحداتها المتبقية منذ أشهر.
تبادلت كلٌّ من إسرائيل وحماس الاتهامات بانتهاكات متكررة للاتفاق خلال المرحلة الأولى. واتهمت إسرائيل حماس بإبطاء عودة الأسرى، بينما أفاد مسؤولون صحيون فلسطينيون بمقتل أكثر من 370 فلسطينيًا في غارات إسرائيلية متواصلة منذ سريان وقف إطلاق النار.





