حسام بدراوي أحد رموز العهد البائد يتكلم اليوم في الدين والقرآن، ويتخيل نفسه فيلسوفا لا نظير له، فإذا به يغريه جهله، أو يغريه أن الساحة صارت مرتجعا للجهل والجهلاء فأحب أن يسهم في مسيرة التخبط والبلاهة بنصيب.
طلع علينا فيلسوف العبث والتخبط منذ بضعة أيام مع إحدى المذيعات ليقول: إنه لم ترد أو تسجل خطبة واحدة الرسول الكريم، وأنه إذا عرضت عليه الآية القرآنية وجاء حديث يعارضها فإنه يأخذ بالقرآن، ثم فاجأ جمهور المستمعين بقوله: مع احترامي يعني.. الأحاديث دي كلها لم تكتب إلا بعد موت النبي بـ300 سنة.
هكذا انتهى كلام المتفيهق بدراوي.
وأنا لا أعلم ما الذي يسوق رجلا كهذا أن يتكلم فيما لا يعرف، وهل يا ترى سأل وتقصى فيما يجهله، حتى لا يخرج على الناس بهذا الحيف، أم أن الرجل وصل في البحث والتنقيب إلى درجة لم يصل إليها أحد؟
وقبل كل شيء لا يغيب عنا ماذا يريد بدراوي ويرمي إليه هو ومن على شاكلته من العلمانيين الضالين، الذين يبتغون ضرب السنة النبوية في الصميم والتشويش عليها واتهامها، حتى يسقط المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، ومن ثم يسقط الإسلام كدين.
وأنا هنا لن أتكلم عن نفيه لوجود خطب الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الخطب موجودة ومروية وقائمة في بطون كتب السنة التي يحاول أن يشكك فيها، ومن ثم سألتفت إلى كلامه الأخر عن السنة ذاتها فأقول: إن هذا الكلام الأعور الذي استمع إليه الناس، وللأسف صدقه بعض الضعاف الذين لا علم لهم ولا دراية، هو في الحقيقة كذب وافتراء وبهتان مختلق من شبهات المستشرقين القديمة والمعروفة التي افتروها للطعن في السنة النبوية، ورددها الكاتب وراءهم كالببغاء دون الوقوف على حقيقة الشبهة والرد عليها من قبل العلماء المتخصصين في السنة النبوية.
يقول الكاتب ما قاله المستشرقون قديما زورا وبهتانا وهو:
” إن الحديث النبوي الشريف بقي مائتي عاما غير مكتوب لم يدون وبعد هذه المدة بدأ المحدثون في التدوين، وأن هذه المدة الطويلة كافية بالنسيان والتلفيق وضياع الحديث بلفظة ومعناه وربما إضافة ما ليس منه إليه.. وهي نفس شبه المستشرقين التي بنى الكاتب كلامه عليها، بل إنه كان أكرم منهم فزاد على المستشرقين مائة أخرى من عنده، وكان غرضهم كما هو غرض الكاتب اليوم التشكيك في السنة النبوية واتهام الرواة بالوضع والاختلاق.
ونحن هنا نرد على افتراء بدراوي ونرده في نحره فيما ادعاه وافتراه، بما يلي من ردود أهل العلم، وهي ردود معروفة يمكن الرجوع إليها في كتب الرد على الاستشراق.
أولا: إن تدوين الحديث النبوي بدأ من العهد الأول في عصر النبوة وشمل قسما كبيرا جدا من الحديث ولم ينتظر 300 سنة كما ادعى صاحبنا.
ثانيا إن علماء الحديث وضعوا شروطا صارمة في رواية الحديث وقبوله تكفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط ليؤدي كما سمع تماما من رسول الله، ولم يكتفوا بهذا بل وضعوا شروطا للرواية المكتوبة.
ثالثا: إن البحث عن الاسناد لم ينتظر مائتي عام كما يقول بدراوي، بل إن الصحابة كانوا يفتشون عن الاسناد منذ العهد الأول للنبوة وحينما وقعت الفتنة الكبرى كان الصحابة إذا روى أحدهم رواية قالوا: سموا لنا رجالكم.
رابعا: إن المحدثين لم يغفلوا ما اقترفه الوضاعون وأهل البدع والمذاهب السياسية من الاختلاق في الحديث والوضع فيه، وكانوا بصيرين منبهين محذرين وهذا يدل على اليقظة وتوتر العلم بشروطه المنهجية.
خامسا: كان الاعتماد الأكبر لدى السلف على الحفظ والرواية وتلك مزية لأمتنا عن غيرها، فلا يقاس الأمر بما نحن عليه اليوم من النسيان كما ذكر بدراوي، ولكن أمتنا معروفة بأنها أمة الحفظ والحفظ معروف بأنه ملكة إذا نميتها ازدهرت وأثمرت، وهكذا كان حال السلف الصالح، يحفظون المتون بالسند الطويل، دون أي عناء أو نسيان.
ولكي يدعم المستشرقون شبهتهم قالوا:
إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تدوين وكتابة الحديث لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه)
وحكم هذا الحديث عند علماء الجرح، معلول لا يرقى إلى درجة الصحة وعلى فرض صحته فقد وردت أحاديث نبوية بالأمر بالكتابة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه، وحديث أبي هريرة كان عبد الله بن عمر يكتب ولا أكتب، وحديث: اكتب فوالذي نفسي بيديه لا يخرج من فمي إلا الحق.
وقد اجتهد العلماء في التوفيق بين الأمر والنهي بقولهم:
1- إن النهي عن الكتابة منسوخ في السنة بالأمر بها بعد ذلك
2- إن النهي النبوي لم يكن مطلقا، بل كان النهي خاصا بكتابة القرآن والحديث معا حتى لا يختلط الأمر
3- إن الأمر عن الكتابة كان خاصا بالصحابة الذين كانوا يأمن عليهم من الخلط والنسيان، أما غيرهم فأصابهم النهي.
ومن هنا يتضح لنا بجلاء فساد دعوى الكاتب وانتهاجه وترديده لأكاذيب المستشرقين، ومن المحزن أن نجد من الناس من يتصور ذلك كلاما علميا رصينا، وهو الكذب الصراخ والإفك المنداح.
ما يحزنني أن أمثال هؤلاء يستغلون جهل الناس وقلة علمهم بالقرآن والسنة وشبهات التغريبيين ويأخذون عبر هذا الجهل لينفسوا سمومهم.
الكاتب حسام بدراوي ما علمه وما تخصصه حتى يتكلم في أمر السنة بكلام يهدمها من أساسها؟ وهل حينما قرأ هذا الهراء أو سمعه، هل سأل وعرف واستفسر قبل أن يردد؟ أم أنه يتخيل أن من لقنه هذا التعريف باحث صادق نزيه؟ مصيبة عظمى لو سمع الناس مثل هذا الكلام وصدقوه، والدين والسنة منه تحديدا، لها أهلها والمتخصصون فيها الذين يرجع إليه.. ولكن ماذا نقول؟!







