شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد تحولاً دبلوماسياً نوعياً باستضافتها لاجتماع كبار المسؤولين من “المربع الاستراتيجي” الذي يضم باكستان، السعودية، مصر، وتركيا، في خطوة وصفتها الدوائر السياسية بأنها تدشين لمنصة تنسيق إقليمية قوية تهدف إلى احتواء الأزمات المتصاعدة في المنطقة.
ويأتي هذا اللقاء رفيع المستوى، الذي شارك فيه الأمير الدكتور عبد الله بن خالد بن سعود الكبير، مدير عام إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية السعودية، كمتابعة مباشرة للقمة التشاورية لوزراء خارجية الدول الأربع المنعقدة في أواخر مارس الماضي.
ويعكس ذلك جدية هذه القوى الإقليمية في بناء “حائط صد” دبلوماسي واقتصادي لمواجهة تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية وحماية الممرات الملاحية والأسواق الناشئة من الانهيار.
وتناولت الوكالات الإخبارية العالمية والصحف الدولية هذا الاجتماع بوصفه “تحالف الضرورة” للقوى المتوسطة المؤثرة، حيث يسعى هذا الإطار الرباعي إلى سد الفراغ الناتج عن ارتباك السياسات الدولية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وقد تركزت المباحثات، التي توجت بلقاء نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، على تنسيق المواقف بشأن أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر والخليج العربي، وبحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي البيني كأداة لتحقيق الاستقرار.
ويرى محللون استراتيجيون أن اجتماع إسلام آباد يمثل رسالة واضحة بأن القوى الإقليمية الكبرى قررت تولي زمام المبادرة لحماية أمنها القومي واقتصادها، بعيداً عن الاستقطابات الدولية الحادة، وهو ما يمنح هذا التكتل قدرة فائقة على المناورة والوساطة في النزاعات الإقليمية المستعصية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يجمع الخبراء على أن هذا التنسيق الرباعي يمتلك مقومات هائلة للتأثير في سلاسل التوريد العالمية؛ فمصر والسعودية تسيطران على أهم ممرات الطاقة والتجارة في البحر الأحمر، بينما تمثل تركيا وباكستان جسوراً لوجستية وبشرية نحو أوروبا وآسيا.
وتؤكد القراءات التحليلية أن الاجتماع ناقش آليات حماية التدفقات التجارية والاستثمارات البينية من صدمات الحرب، ومحاولة خلق “منطقة أمان اقتصادي” تعتمد على التكامل في مجالات الطاقة والصناعة والدفاع.
إن هذا الحراك يشير إلى رغبة الدول الأربع في تحويل “التنسيق المشترك” إلى مشروعات ملموسة على أرض الواقع تضمن استدامة النمو وتمنع انتقال عدوى الفوضى إلى حدودها، وهو ما يضع هذا الإطار التشاوري في قلب معادلة التوازن الجديدة التي تتشكل في المنطقة.
وفي ظل هذه الديناميكية، يترقب المجتمع الدولي ما سيسفر عنه هذا المسار الرباعي من خطوات تنفيذية، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن حصار الممرات المائية واشتعال أسعار الوقود.


