لم تكن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران والتي اندلعت في 28 فبراير 2026 مجرد صراع عسكري إقليمي، بل فتحت “صندوق باندورا” الاقتصادي الذي يهدد بتفكيك الهشاشة البنيوية التي تعاني منها الاقتصادات العربية لعقود. قبل الحرب، كانت المنطقة العربية تعاني من “هشاشة غير مستدامة” وفق تعبير مسؤول أممي، حيث يعتمد الاقتصاد العربي فعلياً على سلعة واحدة هي النفط، حتى الدول غير المصدرة تعتمد على تحويلات المغتربين في الدول المنتجة والمساعدات القادمة منها.
هذه الحرب التي أغلقت مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، وشلت حركة الملاحة الجوية والبحرية، واستهدفت البنية التحتية للطاقة في قلب الخليج، أظهرت أن أي اضطراب إقليمي لن يبقى محصوراً، بل سيمتد عبر شبكات التجارة والطيران والتمويل المتشابكة. وشكّل توقف أكبر مرفأ لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم في “رأس لفان” بقطر وتضرره لأعوام قادمة، النموذج المصغر لهذه الكارثة المعلنة.
الخسائر الفورية – أرقام أممية تدق ناقوس الخطر
بعد شهر واحد فقط من القتال، خرجت الأمم المتحدة بتقديرات صادمة. وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بلغت خسائر الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية ما بين 120 مليار دولار و194 مليار دولار، أي ما يعادل 3.7% إلى 6% من إجمالي الناتج الإقليمي.
وبحسب مساعد الأمين العام للأمم المتحدة عبد الله الدردري، فإن الخسائر تركزت بشكل كبير في منطقة الخليج، حيث تتحمل دول المنطقة العبء الأكبر:
| المؤشر | القيمة المقدرة (شهر واحد) |
|---|---|
| خسائر الناتج الإقليمي العربي الشهرية | 186 مليار دولار |
| خسائر دول الخليج وحدها | 168 مليار دولار |
| خسائر بلاد الشام (المشرق العربي) | 30 مليار دولار |
لكن الأرقام لم تقف عند حدود الناتج المحلي. حذرت التقارير من تداعيات اجتماعية قد تطيح بمكتسبات تنموية استمرت سنوات. يُقدّر أن الحرب ستؤدي إلى خسارة حوالي 3.6 مليون وظيفة، وارتفاع البطالة بما يصل إلى 4 نقاط مئوية، مع دفع ما بين 3 إلى 4 ملايين شخص إضافي إلى ما دون خط الفقر.
السياحة.. انهيار يومي 600 مليون دولار
تعرض قطاع السياحة في المنطقة العربية لضربة قاسية، فقبل الحرب كانت تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر تشير إلى أن السياح سينفقون نحو 207 مليارات دولار في الشرق الأوسط عام 2026، لكن الحرب غيّرت كل شيء.
تم إلغاء وتأجيل آلاف الفعاليات الثقافية والترفيهية والرياضية. وبحسب تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر، بلغت خسائر القطاع في المنطقة نحو 600 مليون دولار يومياً. وتوقعت دراسات أن تستمر الخسائر طوال فترة الحرب.
شهدت دبي وحدها إلغاء أكثر من 80 ألف حجز لوحدات سكنية للإيجار قصير الأجل في أسبوع واحد فقط. وتسببت عمليات إغلاق المجال الجوي المتكررة في بقاء ما يقرب من 4 ملايين مسافر عالقين في مطارات المنطقة وفقاً لبيانات شركة “سيريوم”.
تتوقع تقديرات “أوكسفورد إيكونوميكس” أن ينخفض عدد الزوار الدوليين إلى الشرق الأوسط بمقدار يتراوح بين 23 إلى 38 مليون زائر (انخفاض يتراوح بين 11% و27%)، مع خسارة في إنفاق الزوار تتراوح بين 34 و56 مليار دولار.
تحويلات المصريين.. أمل واعد يتحول إلى كابوس مهدد
من أبرز القنوات غير المباشرة التي نقلت العدوى الاقتصادية من دول الخليج إلى باقي الدول العربية، كانت تحويلات المصريين العاملين في الخارج. حققت مصر في العام المالي السابق قفزة تاريخية في التحويلات وصلت إلى 41.5 مليار دولار (نسبة نمو 40.5%)، وفي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 وحده قبل الحرب، سجلت تحويلات المصريين حوالي 22.1 مليار دولار بارتفاع 29.6%.
لكن مع توقف النشاط الاقتصادي في الخليج وتباطؤ قطاعات البناء والسياحة والخدمات، يتوقع خبراء الاقتصاد أن تتأثر هذه التحويلات بشكل مباشر. تأتي أغلب تحويلات المصريين بالخارج من المقيمين في دول الخليج، وارتفاع نسب التضخم سيدفع المغتربين إلى زيادة إنفاقهم مما يقلل مدخراتهم وبالتالي تحويلاتهم إلى الداخل.
هذه التحويلات تشكل مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة لمصر، وأي تراجع فيها سيفاقم الضغوط على الميزان التجاري واحتياطي النقد الأجنبي، ويقوض جهود الحكومة المصرية في التعافي من أزماتها السابقة.
البورصات بين الصمود والانهيار المقيد
لم تكن صورة الأسواق المالية العربية موحدة في مواجهة الصدمة. أظهرت الأسواق الخليجية تماسكاً نسبياً في الأيام الأولى للحرب، لكن الأسواق الأقل عمقاً كانت أكثر تضرراً.
هذا التمايز يعكس عمق الأسواق الخليجية وثقة المستثمرين بمتانة الاقتصادات هناك، مقابل هشاشة الأسواق الأخرى. ومع ذلك، يظل الخطر الوجودي على القطاع المالي إذا طالت الحرب، حيث يرتفع احتمال إغلاق أسواق الائتمان وتوقف الاستثمارات الأجنبية.
قطاع الطاقة والصناعة – هزات عنيفة في العمود الفقري
رغم ارتفاع أسعار النفط، لم تكن دول الخليج في موقع الرابح من هذه الأزمة، لأن تعطل الإنتاج والصادرات طغى على أي فوائد سعرية. حيث تعرضت بعض أهم منشآت الطاقة في المنطقة لهجمات مباشرة وتخريب. على سبيل المثال، أدى الهجوم الصاروخي على منشأة “رأس لفان” القطرية، أكبر شريان لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى توقفها وتعطيل نحو 17% من القدرة التصديرية السنوية لقطر لمدة قد تمتد إلى خمس سنوات. من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد القطري بنسبة تصل إلى 8.6% هذا العام.
إغلاق مضيق هرمز وخسائر تجارية فادحة
أدى إغلاق المضيق، الذي يمر من خلاله نحو خمس النفط والغاز المسال العالمي قبل الحرب، إلى خسائر تجارية هائلة. رغم استئناف بعض الشحنات المحدودة للدول الصديقة لإيران (روسيا والهند والصين)، إلا أن حركة النقل التجاري تعطلت بشدة. تتوقع “أوكسفورد إيكونوميكس” أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي لدول الخليج بشكل جماعي بنسبة 0.2% في عام 2026 (تراجع بنسبة 4.6 نقطة مئوية عن توقعات ما قبل الحرب)، مع تراجع قطاع النفط وحده بنسبة 5.8% هذا العام.
أما بالنسبة لأسعار النفط، فقد قفز خام برنت بنسبة 53% منذ اليوم السابق للحرب، ليصل إلى 112.57 دولاراً للبرميل. وفي سيناريو التصعيد المستمر، حذر صندوق النقد الدولي من احتمال وصول النفط إلى 125 دولاراً للبرميل بحلول عام 2027 إذا استمرت الحرب.
صدمة الأسمدة وأزمة الغذاء العالمية
لا تقتصر الكارثة على الطاقة فقط، بل تمتد إلى سلاسل توريد الأسمدة والمنتجات الكيماوية، وهو ما يهدد الأمن الغذائي العالمي، خاصة في أفريقيا وآسيا. حسب البنك الدولي، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل حوالي ثلث إمدادات الأسمدة في العالم، مما سينعكس حتماً على ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً ويهدد الأمن الغذائي في الدول العربية المستوردة للغذاء.
الميزانيات الحكومية تتآكل.. نفقات عسكرية وتراجع إيرادات
مع نضوب الإيرادات النفطية وتعطّل التجارة، انقلبت موازنات دول الخليج. في السعودية، على سبيل المثال، اتسع عجز الموازنة في شهر مايو وحده إلى 33.5 مليار دولار، بزيادة قدرها 20% عن العام الماضي، بسبب زيادة الإنفاق العسكري والإعانات المرتبطة بالحرب. وبشكل عام، تتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع التضخم في المنطقة إلى 4.4% في السيناريو السلبي بحلول 2027.
التأثيرات الإنسانية – أربعة ملايين فقير جديد
لا يمكن اختزال تداعيات الحرب في أرقام الاقتصاد الكلي فقط. فبحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن المنطقة العربية ستشهد أكبر زيادة في أعداد الفقراء في المشرق العربي، حيث ستتركز أكثر من 75% من الزيادة المتوقعة في معدلات الفقر في بلاد الشام (لبنان، سوريا، الأردن، فلسطين) إضافة إلى الدول الهشة مثل السودان واليمن. كما يُقدّر البرنامج أن الحرب قد تؤدي إلى تراجع مؤشر التنمية البشرية بمقدار 0.2% إلى 0.4%، وهو ما يعادل فقدان ما بين 6 أشهر وعام كامل من مكتسبات التنمية.
المشهد المتوقع للأشهر الستة المقبلة (من يوليو إلى ديسمبر 2026)
انطلاقاً من تحليل بيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبيوت الخبرة الاقتصادية، يمكن رسم السيناريو التالي للمنطقة العربية خلال الأشهر الستة القادمة:
السيناريو الأساسي: استمرار الوضع الحالي
-
النمو الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: من المتوقع أن يتباطأ النمو بشكل حاد ليصل إلى حوالي 1.1% لعام 2026 بأكمله، مقارنة بـ 3.9% المتوقعة قبل الحرب.
-
الخليج: نمو قريب من الصفر (قد يتراوح بين 1.3% حسب البنك الدولي و 2% حسب صندوق النقد الدولي الأكثر تفاؤلاً)، مع تباين حاد بين الدول (قطر تنكمش 8.6%، الكويت والبحرين 0.5-0.6%، بينما تحقق السعودية والإمارات نمواً هامشياً).
-
مصر: خفض صندوق النقد توقعات نموها بمقدار نصف نقطة مئوية إلى 4.2%، مع تهديد مباشر لتحويلات العمالة والسياحة.
توقعات الأشهر الستة القادمة (يوليو – ديسمبر 2026)
إذا استمرت الحرب وتراجع وقف إطلاق النار الهش، فإن الصورة ستكون قاتمة للغاية:
-
أسعار النفط: قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل في سيناريو التصعيد الأسوأ، مما يغذّي التضخم ويخنق التعافي العالمي.
-
النمو الخليجي: قد يتراجع إلى -0.2% (انكماش جماعي) أو أسوأ, وهو ما تتوقعه بالفعل “أوكسفورد إيكونوميكس”.
-
التجارة والنقل: من غير المتوقع أن تعود حركة المرور عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها قبل منتصف عام 2027 على أقل تقدير.
-
البطالة والفقر: سترتفع معدلات البطالة بمقدار 4 نقاط مئوية إضافية (إجمالي خسائر وظائف قد تصل إلى 3.6 مليون وظيفة إضافية)، ويدفع ما بين 3.6 إلى 4 ملايين شخص إضافي إلى براثن الفقر بحلول نهاية العام إذا استمرت الحرب 6 أشهر.
-
التعافي المؤجل: حتى لو توقفت الحرب غداً، تتوقع معظم المؤسسات الدولية أن أي تعافي ملموس لن يبدأ قبل النصف الثاني من عام 2027 على أقرب تقدير, مع بقاء الأسعار والاضطرابات التجارية لوقت طويل.
التوقعات المستقبلية الإضافية:
-
البنك الدولي: يتوقع نمواً عالمياً بنسبة 2.5% لعام 2026 (أدنى مستوى منذ الجائحة)، ويتوقع نمواً قريباً من الصفر لدول الخليج مع صدمة طاقة غير مسبوقة.
-
إجراءات تقشفية: من المتوقع أن تضطر الحكومات العربية إلى اتخاذ إجراءات تقشفية غير مسبوقة، بما فيها خفض الدعم والاستغناء عن الوظائف وتأجيل أو إلغاء مشاريع البنية التحتية والمشاريع العملاقة (مثل NEOM).
-
هجرة رؤوس الأموال: من المتوقع أن تستمر هجرة رؤوس الأموال من المنطقة، مما يضع ضغطاً إضافياً على العملات المحلية واحتياطيات النقد الأجنبي.
مقارنة للمشهد العربي مقابل أمريكا وأوروبا
تعكس هذه الأرقام والسيناريوهات صورة قاتمة للاقتصاد العربي خلال الأشهر الستة القادمة. بينما كانت أمريكا (كما ورد في تقرير سابق) تجني أرباحاً بمليارات الدولارات من بيع السلاح والطاقة، وحققت أوروبا نمواً سلبياً طفيفاً أو تضخماً مداراً، فإن الدول العربية تقف على حافة الهاوية:
| مؤشر المقارنة | الولايات المتحدة | أوروبا (منطقة اليورو) | الدول العربية (الخليج) |
|---|---|---|---|
| النمو الاقتصادي المتوقع 2026 | 2.2% (مستقر) | 0.9% (تراجع كبير) | ~0% إلى 1.3% (انكماش في بعض الدول) |
| صادرات الطاقة | أرقام قياسية (+15مليار دولار إضافية) | واردات قياسية بأسعار خيالية | توقف أو تراجع حاد في الصادرات |
| التضخم | 4.2% (مايو) | 2.8% (متوقع) | 4.4%+ (متوقع في السيناريو السلبي) |
| البطالة | مستقرة (173 ألف وظيفة جديدة) | مستقرة نسبياً | ارتفاع 4 نقاط مئوية (3.6 مليون عاطل) |
| مؤشر الفقر | مستقر | مستقر | 3-4 ملايين فقير جديد |
| موقف الاقتصاد | رابح وصامد | خاسر ومترنح | خاسر ومنهار |
أضافت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، تحذيراً قاتماً بأن التضخم بدأ بالفعل في الارتفاع وأن الاقتصاد العالمي ربما يواجه «نتائج أسوأ بكثير» إذا امتدت الحرب إلى عام 2027، مع وصول أسعار النفط إلى 125 دولاراً للبرميل. وأكدت أن “السيناريو الأساسي” الذي وضعه الصندوق (صراع قصير الأمد) لم يعد ممكناً، محذرة من أن «نتائج أسوأ بكثير» ستتحقق إذا استمرت الحرب.
على الطرف الآخر، قال عبد الله الدردري، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، إن “الاقتصاد العربي يتسم بالهشاشة التي أثبتتها الأحداث الأخيرة، مما يثبت أنه غير مستدام”.
في هذه اللحظة الفاصلة، تواجه الدول العربية خياراً صعباً بين الاستمرار في الاعتماد على الريع والتحويلات والمساعدات في نظام عالمي مهتز، أو اغتنام هذه اللحظة المؤلمة لإعادة هيكلة اقتصاداتها وتنويعها وبناء قدراتها الذاتية. لكن الطريق أمامها طويل وشاق، وثمن التأخير هو استمرار نزيف الخسائر البشرية والاقتصادية.


