في أحيان كثيرة، يحملنا الأثير لنعيش ساعات من الأنس في رحاب الطفولة، نرافق فيها أجناسنا التي نتناغم معها في الذوق والهدف والغاية. هي لحظات نقضيها في أجواء المرح الذي لا نمله، نسافر في سياحة مع “فرسان الخشبة والكلمة”، نتابع خفة حركة عقود من النجاح في طواف مستمر يصدر المتعة والخبرة؛ حيث يتجلى الإبداع مع قامة في أعتاب الشيخوخة، لكن تحليقه يعزّ عمر الشباب في الحيوية والنشاط.
إن ما شهدناه في مكتبة المطالعة العمومية “الشهيد عيسى جروني” بالمغير، من عرض باهر للحكواتي العالمي ماحي صديق، لم يكن مجرد استرجاع للموروث، بل هو تجسيد حيّ للدور المحوري الذي يلعبه النشاط اللاصفي في تنمية مهارات الإبداع لدى أطفالنا.
الحكواتي: مختبر تربوي لتنمية المهارات
من صلب مسيرتنا التربوية، نستخلص أن “نشاط التواصل” يجد ضالته في فن الحكاية، وذلك عبر أبعاد جوهرية:
بناء الحوار وفهم المنطوق: الحكواتي ليس سارداً فحسب، بل هو مهندس لعملية التواصل، يدرب الطفل على التقاط المعاني وبناء استجابة حوارية واعية.
المحاكاة كأداة للتعبير: تبرز أهمية التعبير من خلال قدرة الطفل على محاكاة أسلوب الحكواتي في الأداء، مما يحول “بناء الحوار” من درس جاف إلى تجربة تفاعلية حية.
تفكيك صعوبات التعبير: يمتلك الحكواتي مهارة فائقة في تحليل الصعوبات التي تواجه الطفل، فيعمل بأسلوبه السلس على التحرر من عقدة الخوف والخجل الاجتماعي.
المدرسة وفضاءات الثقافة: تكامل الأدوار
إن دور المدرسة اليوم يتجاوز أسوار الأقسام ليحلّق في فضاءات الثقافة؛ فالمبادرات التي ترعاها مديرية الثقافة لولاية المغير تمثل البيئة المثالية لاكتشاف المواهب. إن استثمار هذه الفضاءات يساهم في:
صون الموروث اللامادي: غرس قيم “تراثنا.. حضارتنا” في نفوس الناشئة بروح عصرية.
إطلاق طاقات الابتكار: حين يرى الطفل “فارس الكلمة” يبدع على الخشبة، تتولد لديه الرغبة في المحاكاة ثم الابتكار، مما يحول النشاط اللاصفي إلى منصة حقيقية لصناعة المبدعين.
خاتمة اليقين
إن هذه المشاهد الثقافية، وما تحمله من تفاعل بين الأجيال —من كهلٍ يفيض حيوية إلى طفلٍ يترقب بشغف— تزيدنا ثقة لإكمال المشوار. إننا نبني جيلاً لا يكتفي بالقراءة فقط، بل يمتلك أدوات التعبير، ويتحرر من قيود التردد، ليصيغ مستقبله بهوية أصيلة وإبداع لا ينضب.
خلاصة:
فن الحكواتي ليس ترفيهاً ثقافياً فحسب، بل هو ترجمة عملية لنظريات التلقي والتواصل الشفهي، حيث يتحول المنطوق من مهارة مدرسية إلى سلوك حياتي يُمارَس بشغف.


