بين حركة الإنسان وسكونه، كان دافع الحركة أقوى. كانت نفسي تحدثني عن سعادة الإنسان الكبرى في هذه الدنيا: قد نجد لذتنا في محراب العبادة، وفي دروب العطاء، وفي بناء مشاريعنا الخاصة. ومع أن أبواب العبادة أوسع وأرحب.
حدثت نفسي كما يتحدث الباحث عن روح السعادة الحقيقية، لا عن قشورها. ساحت نفسي مع رفيق دربي، نبحث عن نقطة أجر تُضاف إلى حساب الحسنات، ونذكّر أنفسنا بواجبات مفروضة لحقوق الإخوة، لا يجوز إغفالها؛ فقد قال ﷺ: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيتَه فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه…» — رواه مسلم. فإجابة الدعوة ليست تفضلًا منا، بل حقٌّ من حقوق الأخوة.
وفي مسحة من الحديث كان العرس حاضرًا في حديثنا، وكان الطريق إليه مؤنسًا، لنلبي دعوة وتشريفًا ومشاركة لفرحة العرسان. لا نخفي على أحبابنا فرحتنا الغامرة، لنشارك أدبًا نبويًّا وتعبديًّا؛ فمشاركة الفرحة ليست لهوًا فقط، بل هي أدب من أدب النبي ﷺ، وقربة من القربات. فقد نغفل عن هذا الأدب، أو نفرّط في واجب من واجبات ديننا: إدخال السرور على المسلمين؛ وقد جاء في الحديث الذي حسّنه العلماء: «أحب الأعمال إلى الله بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم».
من الأجر الفصل في أحاديث نبينا ذلك الواجب الروحي: أن ندخل سرورًا على بيوت المسلمين، وأن ندخل فرحة على شباب المسلمين وشاباتهم، في زمن عسر فيه واجب التحصين والستر؛ زمن كثرت فيه الفتن، وصار تحصين الشباب وصيانة الأعراض واجبًا مضاعفًا، وفرحة الزواج معينة على ذلك؛ فقد قال ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» — رواه البخاري ومسلم. ففي الزواج إحصان للفرج وستر للعبد.
نعم، زرنا ساحة الأروقة، أو ما أصبحت تسمى اليوم استراحة ساحة السوق. كانت الفرحة مرسومة في وجوه كل الحاضرين، فرحة لا توصف، فرحة يفوته فضلُها وبهجتُها من لم يحضرها، فرحة أسعد يوم للعرسان، مثل الفرسان.
تحطهم الأهازيج والطبول وأصوات البارود. كانت الساحة تحكي فرحتها وتصونها من أن تفسد أو تنطفئ، بل المدينة تحكي سعادتها. ما أجمل أن ترى فرحة الأهل والآباء، فرحة الزوار! ولفرحة العرس أصل في هدي النبي ﷺ، فقد قال: «أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدف» — رواه الترمذي وحسّنه. فالإسلام دين الفرح المباح، ما لم يشب الفرحة محرم.
ربما الحدث قد غطى كل القصور، وغطى كل النقائص؛ لأن الفرحة تمت، والأهازيج وقرع الطبول قد دوّى في الساحات، فما بقي إلا الفرحة الصافية.
كنت جد سعيد أن أشارك ولو بجزء يسير من وقت، حق له أن يُصرف لمثل هذه المناسبات.
ماذا أقول وفي القلب فرحة، وفي اللسان دعوات، وشكر لكل من ساهم ودبّر وأنجز وصنع فرحة لا تموت، بل تطل حية في وجد كل عروس وعريس، بل تظل مغروسة في وجدان أربعين زوجًا وزوجة، بل تدوم الفرحة لأربعين أسرة تزينت سكنات ولاية المغير وبلدياتنا؛ فلم تقف الفرحة عند عرس واحد، بل تعدّته إلى أربعين بيتًا جديدًا تأسس في الولاية.
دعاء من القلب أن يصلح شبابنا وشاباتنا، وأن يسهل لهم تمام نصف الدين؛ فمن تزوج فقد اكتمل نصف دينه، كما صحّ عنه ﷺ: «من تزوج فقد استكمل نصف الإيمان، فليتق الله في النصف الباقي».






