أجدني مجبراً أن أهمس بكلمة لأبنائي الشباب، الذين يبحثون لهم عن مكان في حراك الحياة السياسية حرصاً منهم على المشاركة. أحاول أن أصدقهم الرأي والنصح مجيباً عن سؤال تزدحم فيه المعاني وتجيب عنه أفعالٌ لا تعرف الزيف؛ فالبحث عن الممثل هو في جوهره بحثٌ عن الإنسان الأصيل.
ضع نصب عينيك قول الشاعر:
قد رشحوك لأمرٍ لو فطنت له *** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
فأجيبُ ونفسي تطرق أبواب العقول الواعية:
نحن نراه ولا يرانا..
لا غياباً عن المشهد، بل ذوباناً في العطاء؛ فهو المشغول بقضايا مجتمعه عن رؤية الخلق له، يبتغي الأثر لا الذكر. نراه يحمل أثقالنا كأنه خُلق ليكون كتفاً لكل متعب، يداري جراحنا بابتسامته ويخفي ثقل تعبه خلف خفة حاجتنا.
نراه يمرغ الأرجل في الوحل؛ لا يخشى العثرات ولا يأنف من التراب، بل يسعى بين الأزقة يردم حفر الوجع ويمهد الطريق لغيره بكل ثبات. نراه يسابق الفجر ليفتح أبواب الرزق للمتعبين، ويطرق الأبواب الموصدة بصمت الزاهدين وقوة المخلصين. نراه يغرس الفسيلة في أرضٍ أجدبت، لا ينتظر ظلاً ولا طمعاً في ثمر، بل يزرع لتمتد الحياة من بعده لأجيال لا يعرفها. نراه حائطاً صلداً تتكسر عنده أمواج الفتن، ويستند إليه الضعيف فيستقيم ظهره ويأمن روعه.. هكذا نراه.
نراه نوراً في الشوارع..
ينير السرح حين يسود الظلام، ويجعل من صمته ضياءً يهتدي به التائهون، وصوتاً لمن لا صوت له في الأنين. نراه يضمد جرح مريضٍ يئن، ويطفئ بفيض جوده لهفة المشرد في مهب الضياع.
في الأفراح نراه شمعة تذوب لتضيء بهجة الآخرين، لا يسرق الضوء لنفسه بل يهبه لكل قلب حزين كي يبتسم. وفي الأتراح نراه المواسي الخفي الذي يغمرنا بصدقه دون ضجيج، يقتسم معنا الحزن ليخفف وطأته كأنه السكينة حين تتجسد إنساناً.. وهكذا نراه.
فكيف أراه وتراه؟
نراه جندياً يسل سيف الإرادة في الميادين، يذود عن حياضنا بصدقه ويحرس أحلامنا بأصالته. أراه قائداً لا يتقدمنا ليتصدر المشهد، بل يحمي ظهورنا إذا تراجعنا ويهدينا الطريق إذا ضللنا السبيل. أراه أباً يحنو على الصغير ويوقر الكبير ويحمل هم الجميع في قلبه الواسع الذي لا يضيق. أراه وطناً يلم شتاتنا ويمنحنا الأمان ويجعل من صدق وجوده ملاذاً آمناً لا يخان.. وهكذا نراه.
خاتمة:
هي خاطرة ترسم لنا القدوة وتجيب عن أسئلة غير متناهية حول معنى الأمانة؛ فمن كان الأصيل في مخبره، كان الأجدر بأن يحمل لواءنا في مظهره. إن تمثيل الناس ليس غاية تدرك، بل هو أصالة تتجسد في كل فعل، وتضحية تنبض في كل حين.. هكذا نراه، وهكذا يستحق.


