لم يمنع اليُتم ولا ضيق ذات اليد، كثيرًا من النوابغ من بلوغ أعلى قمم العلم والمجد. ومن هؤلاء إمام مصر الشهير «جلال الدين السيوطي» رضى الله عنه.
فقد مات أبوه-وكان من أهل العلم- وهو في السادسة من عمره، فلم يَفُت ذلك في عضده، واستطاع أن يحفظ القرآن الكريم كاملًا، وهو في الثامنة فقط.. وتولّى رفاق أبيه، ومنهم الكمال بن الهمّام الحنفي، أحد كبار الفقهاء، رعاية جلال الدين، وتعلّم منهم، ونقل عنهم الكثير..
وكان من شيوخه أيضًا محيي الدين الكافيجي، وعلم الدين البلقيني، وشرف الدين المُنَاويّ، وتقي الدين الشبلي، والأقصرائي والعزّ الحنبلي والمرزباني وجلال الدين المحلي وتقي الدين الشمنى وغيرهم..
وبسبب إخلاصه وتفانيه في طلب العلم وتفرّغه الكامل له، رُزق السيوطي التبحّر في معظم العلوم الشرعية والاجتماعية، وقال هو نفسه تحدّثًا بنعمة ربّه عليه: “رُزقتُ -ولله الحمد- التبحر في سبعة علوم، التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع”. وهذا تواضع منه، فقد تبحّر أيضًا في السِيَر والتاريخ وأصول الفقه والقراءات والطب..
وكان رضى الله عنه يتجنّب السلاطين وأعوانهم، ولا يقبل هداياهم، وله في ذلك وقائع مشهورة، منها أن السلطان الغوري أهدى إليه غُلامًا وألف دينار، فردَّ إليه الدنانير، وأخذ الغلام، فأعتقه وجعله خادمًا للحجرة النبوية، وقال لمبعوث السلطان: “لا تعُدْ تأتينا بهدية قطُّ، فإن الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك” وطلبه السلطان مرارًا فلم يحضر إليه، ولم يكتف بالابتعاد عن الحُكّام، بل ألَّف كتابًا لتحذير الناس من مُخالطتهم، عنوانه: (ما وراء الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين)..
وقد استطاع الإمام السيوطي إنجاز مئات الكتب والأبحاث والدراسات فى سائر فروع العلوم والمعارف الإسلامية والعربية والاجتماعية، وأحسب أن مؤلفاته وحده تُغنى طالب العلم عن جامعة كاملة..
وليست هذه مُبالغة، فقد قال عنه تلاميذه أضعاف هذا، ومنهم ابن العماد الحنبلي الذي وصفه بـ«المُسْنِد المحقِّق المدقِّق، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة».
وكتب عنه تلميذه الداودي: “كان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالاً وغريبًا، ومتنًا وسندًا، واستنباطًا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث؛ قال: ولو وجدت أكثر لحفظته. قال: ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك”..
وقال عنه تلميذه المؤرِّخ الكبير ابن إياس: “كثير الاطِّلاع، نادرة عصره، بقية السلف وعمدة الخلف، وبلغت عدَّة مصنفاته نحوًا من ست مائة تأليف، وكان في درجة المُجتهدين في العلم والعمل”..
وكان أكثر المبهورين بشخصية وعلم وفضل الإمام السيوطي، تلميذه عبد القادر بن محمد الشاذلي الذي كتب عنه: “الأستاذ الجليل الكبير، الذي لا تكاد الأعصار تسمح له بنظير، شيخ الإسلام، وارث علوم الأنبياء عليهم السلام، فريد دهره، وحيد عصره، مُميت البدعة، ومُحيي السنة..
العلاَّمة البحر الفهّامة، مُفتي الأنام، وحسنة الليالي والأيام، جامع أشتات الفضائل والفنون، وأوحد علماء الدين، إمام المرشدين، وقامع المبتدعة والملحدين، سُلطان العلماء، ولسان المُتكلمين، إمام المحدِّثين في وقته وزمانه”..
رضى الله عنه وأرضاه.


