ادّعى الأسود العنسي النبوة باليمن، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.. وكان ممن تصدّوا له وفضحوا أكاذيبه “أبو مُسلم” عبد الله بن ثوب الخُولاني الداراني رضي الله عنه.
وخشي الدَجّال تأثير هذا التابعيّ الجليل على الجماهير، فألقى القبض عليه، وأمر بحرقه في نار عظيمة، ليكون عبرة للآخرين..
وصُعق المُجرم حين أبصر أبا مسلم خارجًا من النار، سليمًا لم يمسسه سوء! وهذه كرامة عظيمة ظاهرة ثابتة.. وازداد رُعب الأسود من الوليّ الصالح، فأمر بإخلاء سبيله وابعاده عن اليمن..
وجاء أبو مسلم إلى المدينة المُنوّرة-في خلافة أبى بكر الصِدّيق- ورآه عمر بن الخطّاب في المسجد، فسأله: ممن الرجل؟
أجاب أبو مسلم: من اليمن.. سأله الفاروق ثانية: ما فعل الذي أحرقه الكذّاب بالنار؟ أجاب أبو مسلم: ذاك عبد الله بن ثوب..
وأحس الفاروق المُلْهَم بأن مُحدّثه هو نفسه ذلك الرجل، فهتف: نشدتك بالله، أأنت هو؟!
رَدّ أبو مسلم: اللهم نعم.. فعانقه عمر وبكى، وذهب به إلى الصِدّْيق، وأجلسه فيما بينهما، تكريمًا له، رضى الله عنهم أجمعين..
ويُروى أن الفاروق-أو الصدّيق- قال يومها: “الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمة محمد من صنع به كما صنع بإبراهيم الخليل” على نبينا وعليه الصلاة والسلام..
ولم تكن هذه هي الكرامة الوحيدة لأبى مسلم، وهو من كبار العُبّاد الزاهدين المُتقين المُجاهدين..
فقد شارك في غزو الروم، وكان يدعو الله أن ييسر للجيش عبور الأنهار، فيستجيب المولى له، ويمشي الجنود والدواب على الماء، بكل سهولة، وإذا فقد أحدهم شيئًا يدعو له أبو مسلم فيرده الله عليه في الحال..
وحدث هذا أيضًا في غزو الفرس، فقد دعا الله، وعبر الجيش نهر دجلة بيسر.. وكان الولاة يستبشرون به ويضعونه في مقدمة الجيش، رجاء أن يجعله الله سببًا من أسباب النصر..
وذات مرّة طلبت منه زوجته شراء طعام بدرهم واحد، لا يملكان غيره، فتصدّق به على فقير.. وخشي غضبها، فملأ جراب الدقيق بالتُراب، وألقاه إليها، وابتعد بسرعة، قبل أن تفتحه وتكتشف ما به.. وعاد بعد ساعات، وهو يتمنّى أن تكون قد نسيت، فإذا بها تُقدّم إليه طعامًا شهيًّا!! سألها مُتعجّبًا: من أين هذا؟
فأجابت بأنها صنعته من الدقيق الذي اشتراه وألقاه إليها في الجراب!! فأكل وهو يبكي، حامدًا ربّه الأكرم!
وكان إذا دعا الله تعالى في أوقات الجفاف تُمطر السماء في ذات اليوم..
ولم يكن أبو مسلم يرهب أحدًا إلّا الله، جَلّ في عُلاه.. فكان يدخل على الولاة، ليعظهم ويقرع أسماعهم بكلمة الحق، لا يخشى في الله لومة لائم..
ومن ذلك أنه دخل على معاوية في قصره، فصاح به: السلام عليك أيها الأجير، وغضب رجاله، لكن معاوية كان حليمًا، وفهم ما يعنيه أبو مسلم (وهو أن الحاكم أجير لدى الأُمّة) فأمر حاشيته بعدم التعرّض له، لأنه أعرف بما يقول. ورد عليه: وعليك السلام أبا مسلم.. وقبل منه الوعظ والنصح وشكره عليه..
وعندما علم معاوية بموته قال:” إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخُولاني، وكريب بن سيف الأنصاري”.
وبعد حياة حافلة، مات أبو مسلم غازيًا في أرض الروم، وهذا نوع من الشهادة، أكرمه الله به.. رضى الله عنه وأرضاه.


