كان بحر العلم عبد الله بن عباس حريصًا على نشر علوم الإسلام من بعده، فاهتم بتعليم أكبر عدد مُمكن من تلاميذه، ومنهم غلامه «عِكْرمة».
وقد لمس فيه سيده نبوغًا، فكان يُقيّده بالسلاسل، ليتفرّغ لحفظ القرآن الكريم والأحاديث والفقه، بدلًا من اللعب مع الصبيان وإهدار الوقت فيما لا ينفع.
وما هي إلّا سنوات، حتى أدرك عكرمة فضل الله ثم ابن عباس عليه، إذ تلقّى منه ثروة علمية هائلة، وصار أحد أكابر علماء المسلمين عبر الزمان..
وبلغ من شأنه أن سيده ابن عباس أذن له وشجّعه على التدريس والإفتاء في حياته.. ولم يكن ابن عباس هو مصدره الوحيد، فقد روى أيضًا عن عشرات من أكابر الصحابة، منهم عائشة، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب، وصفوان بن أمية، والحجاج بن عمرو الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وحمنة بنت جحش، وأبي سعيد الخدري، وأم عمارة الأنصارية، ويحيى بن يعمر، وعبد الله بن رافع، وغيرهم..
وأمّا تلاميذ عكرمة فهم مئات الألوف من التابعين وتابعي التابعين، ثم سائر الأجيال التالية لهم حتى يومنا هذا.. وشاء الله أن يتنقّل عكرمة في سائر أنحاء البلدان -كما فعل أكثر علماء السلف-وبذلك انتشر علمه في كل مكان.. وشهد الأكابر بفضله وعلمه..
فقال عنه شهر بن حوشب: «مولى ابن عباس حبر هذه الأمة». وقال جابر بن زيد: “هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس”.
ويرى سفيان الثوري أن أهم ما تفوّق به عكرمة على غيره هو التبحّر في علم السيرة والغزوات، وقال في ذلك: «الوجه الذي عليه عكرمة المغازي، إذا تكلم فسمعه إنسان قال: كأنه مُشرف عليهم يراهم». ووصفه الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» بأنه: (العلّامة الحافظ المُفَسّر، أبو عبد الله القرشي، مولاهم المدني) وشهد له نظيره سعيد بن جبير، رضى الله عنه، حين سألوه: «تعلم أحدا أعلم منك؟ قال: نعم.. عكرمة».
وقال الشعبي: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة».
وقال قتادة: «أعلم الناس بالحلال والحرام الحسن، وأعلمهم بالمناسك عطاء وأعلمهم بالتفسير عكرمة».
وأكّد ابن جريج أن من لم يكتب حديث عكرمة، فقد فاته ثلثا العلم. وقال أيوب السختيانى: «لو لم يكن عكرمة ثقة عندي لم أكتب عنه”.
وحكى حبيب بن أبي ثابت موقفًا يثبت علو كعب عكرمة على أقرانه في تفسير القرآن الكريم.. قال حبيب: “اجتمع عندي خمسة لا يجتمع مثلهم أبدًا، عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة..
فأقبل مجاهد وسعيد يلقيان على عكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إلا فَسّرها لهما..
فلما نفذ ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا وآية كذا في كذا” وظلّوا على هذا الحال حتى الليل.. أي أنه زادهما أضعاف ما سألا عنه، وهذا دليل على تبحّره في علم التفسير.. ولا عجب، فهو من تلاميذ البحر ابن عباس النُجباء..
رضى الله عن الجميع وأرضاهم.


