قبل أن أدخل في أصل الموضوع أود أن أوضح أمرا شخصيا.
▪️ فجأة وبغير مناسبة تصلني إشارة من عمرو عبد المنعم مع حفظ الألقاب فيبدو من أحد الصور أنه حصل على ماجستير أو دكتوراة (وقسما بالله غير مهتم بمعرفة التخصص) ولا حتي معرفة تاريخه فالأيام أثبتت أن من تراه في وقت كبيرا قد تجده في النهاية صغيرا (المفكر الذى عزيته في زوجته فأشار بأغضبنى مرتين على صفحتيه) وقد صادفت ما يكتب عمرو مرة أو اثنتين أو خمسا (لا أذكر) وأتذكر أنه باحث إسلامي المهم لا أعرفه معرفة شخصية ولم أكن يوما من متابعيه بل إنني في الحقيقة أعزف منذ سنوات عن هذا النوع من الخطابات الذي يعيش على التصنيف والتصيد واستدعاء الخلافات القديمة وتوسيع الشقوق بين أبناء المجتمع بدل السعي إلى ردمها واتهام الجميع والوشاية بهم لذا بداية دكتور عمرو لست مهتما فالتسلق على أكتاف الناس ليس من نبل الأخلاق.
المهم من المقدمة الشخصية أنه لا يعليه ولا ينقصه معرفتي به أو عدم معرفتي.
▪️ وقد أكون مخطئا لكن الانطباع الذي يصلني من هذا اللون من الكتابة أنها لا تنطلق من روح وطنية بقدر ما تنطلق من عقلية لا ترى نفسها إلا وسط مناطق الاشتباك والخصومة بل والانحياز بالضرورة للسلطة.
بينما الوطنية الحقيقية في نظري لا تعني إلغاء الاختلاف وإنما تعني إدارة الاختلاف بأقل قدر من العداء وتحويلها إلى منافسة لإصلاح الوطن وأكبر قدر من الحرص على بقاء المجتمع متماسكا مهما تعددت اجتهادات أبنائه ٠
▪️ لهذا لم تكن يوما يا سيد عمرو ضمن دائرة اهتمامي لأنني بطبيعتي أميل إلى من يبنون الجسور بين الناس لا إلى من يقضون أعمارهم في تعداد الخلافات وتوسيعها بل والتسلق على أكتاف الناس وإلقاء التهم والتصنيفات الجزافية.
▪️ لكن الذي أثار دهشتي حقا هو أن أجد صورتي موضوعة في تصميم يتحدث عن مذكرات المهندس صلاح هاشم رحمه الله وكأنني طرف أصيل في القضية أو مسؤول عن تحرير المذكرات أو مراجعتها أو نشرها.
والحقيقة أن المشهد أقرب إلى الكوميديا منه إلى البحث العلمي.
▪️ فأنا لا أشغل أي موقع تنظيمي في الجماعة الإسلامية منذ 1992ولم أشارك في إعداد هذه المذكرات ولم أراجعها ولم أحرر منها حرفا واحدا ولم أتم قراءتها ثم أفاجأ بأن صورتي تتصدر المشهد وكأن القضية تدور حولي شخصيا. (فما أحلاه البحث الرصين)
وليس في هذا دفع تهمة عن نفسي لكنه الحرص الدائم على وصف الحقيقة وعدم تحميل أي أحد رؤاي وكتاباتي الحرة التي تعبى عن نفسي فقط.
▪️ ولو كان هذا هو مستوى الربط والاستدلال عند بعض من يرفعون شعار البحث (هل عرفتم لماذا لا أتابعكم) فلا عجب أن تخرج النتائج بهذا القدر من الاضطراب.
▪️ أما فيما يتعلق بأصل الموضوع فأنا لا أرى بأسا في أن يناقش أحد مذكرات المهندس صلاح هاشم رحمه الله وتقام ندوات بحثية بصفته شخصية عامة كان لها أثرها في أهم تيار في مصري أو أن يختلف مع ما ورد فيها بالكلية أو أن يرى أن بعض المحطات التاريخية كانت تستحق مساحة أكبر فهذا كله من حق أي قارئ.
▪️لكن الفارق كبير بين النقد وبين الادعاء فالمقال يبدأ باتهام الجماعة الإسلامية بأنها خانت التاريخ والتاريخ هنا ينبغي أن يكون مذكرات م صلاح هاشم بينما لا تقدم دليلا واحدا على أن أحدا حذف أو حرف أو زور شيئا من كلام الرجل وأنه كتب ما يريده بطريقته التي أرادتها إرادته الحرة رحمة الله عليه.
▪️كل ما في الأمر أن الباحث (حضرتك) يرى أن بعض الأحداث المهمة لم تأخذ المساحة التي كان يتمنى أن تأخذها ثم قفز من هذه الملاحظة إلى اتهام كامل للجماعة الإسلامية بالتلاعب بالذاكرة التاريخية.
▪ ️وهنا يبرز السؤال البسيط:
هل تملك نسخة أصلية من المذكرات تثبت أن شيئا قد حذف وزورته الجماعة لتغطى على شيء بعينه؟
هل تملك شهادة من المحررين تثبت أن هناك تدخلا وقع؟
هل تملك اعترافا من أحد المشاركين في النشر بأن ثمة أحداثا جرى استبعادها عمدا؟
إن كنت تملك شيئا من ذلك فلتقدمه للناس وسأكون في غاية السرور لشغفي الدائم بالرواية الصحيحة التاريخية مالها وما عليها.
أما إن لم يكن تملك سوى الظنون والاحتمالات فإن تحويل الظن إلى يقين والاحتمال إلى اتهام ليس منهج الباحثين ولا المفكرين.
▪️المذكرات أيها الباحث في النهاية هي مذكرات صاحبها وصاحبها فقط وزاوية نظره للأمور.
وصاحب المذكرات رحمة الله عليه ليس ملزما بأن يتذكر كل ما يريد الآخرون تذكره ولا أن يفصل في كل محطة بالقدر الذي يشتهيه كل أحد.
فمن حقه أن يتوسع في حدث ويختصر آخر وأن يروي ما يراه مهما من تجربته وأن يتجاوز ما لا يرغب في الخوض فيه حتى ولو من باب أنه كتبها وهو مازال حيا ولا يريد الصخب ولا الضوضاء.
▪️ أما أن يقال له بعد وفاته: كان يجب أن تتذكر ما نريد نحن وكان يجب أن تتحدث عما نراه نحن وإلا فأنت أو جماعتك تخونون التاريخ فهذا منطق لا يستقيم.
ثم إن الحديث عن المراجعات الفكرية يحتاج قدرا من التواضع العلمي.
فالمراجعات صنعها قادتها ولم يصنعها أصحاب المقالات المتأخرة مدحا ولا قدحا ولم تولد على صفحات مواقع التواصل وإنما شارك فيها رجال عاشوا السجون والمطاردات والصدامات وتحملوا أثمانا باهظة من أعمارهم وحرياتهم وأسرهم.
▪️لقد كانت الجماعة الإسلامية تجربة بشرية كبيرة فيها ما يمدح وفيها ما ينتقد وفيها نجاحات وإخفاقات وفيها رجال أفنوا أعمارهم فيما اعتقدوا أنه خدمة لدينهم ووطنهم وأمتهم.
▪️واحترامي للجماعة الإسلامية وتقديري لكثير من رجالها لا يعني أنني أراها معصومة لكنه يعني أنني أرفض الظلم كما أرفض التقديس وأرفض التشويه كما أرفض التبرير وأقرر أنه كان من الممكن أن لاتصل الأمور لهذا الدرك لأن هذا الدرك تم مراجعة الدولة سياستها نحوه وغيرت بوصلة التعامل وكان ذلك كله لمصلحة الوطن كله.
▪️ الروايات التاريخية التي لا تعجبك أيها الباحث لا تواجه بالمصادرة وإنما تواجه بروايات أخرى.
▪️ ويبقى السؤال الحقيقي:
هل نبحث عن الحقيقة فعلا؟
أم نبحث فقط عن رواية توافق ما نريد أن نسمعه؟
وهل الباحث الحقيقي يروى القصة بإنصاف أم يشير لشخص ليس مشاركا في حدث (سيادتي) إشارة لشيء في نفس.
أعوذ بالله أن يكون في نفس يعقوب.
نصيحتي: إذا أردت أن تكون باحثا فكن كبيرا في اهتماماتك يا تيجي تقعد جنبي.


