في عالم السياسة لا تُقاس قوة الأمم بما تملكه من ثروات فحسب، ولا بعدد سكانها، ولا باتساع رقعتها الجغرافية، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المقومات إلى نفوذ سياسي، وتأثير اقتصادي، وحضور استراتيجي يفرض نفسه على موازين القوى الدولية.
ولهذا فإن التاريخ مليء بالمفارقات، فقد وجدت أمم محدودة الموارد استطاعت أن تصنع إمبراطوريات، بينما امتلكت أمم أخرى من الثروات والمواقع والإمكانات ما يؤهلها لقيادة العالم، لكنها بقيت عاجزة عن توظيف تلك المقومات في مشروع حضاري متماسك.
ومن بين أكبر هذه المفارقات ما يعيشه العالم الإسلامي اليوم.
فالأمة الإسلامية لا تعاني من فقر في الموارد، ولا من ضعف في الموقع، ولا من قلة في عدد السكان، وإنما تعيش حالة فريدة من امتلاك عناصر القوة دون امتلاك القوة نفسها.
وهنا يكمن السؤال الحقيقي: لماذا؟
القوة ليست ما تملكه… ولكن بما تستطيع توجيهه
أحد أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الواقع هو الاعتقاد أن الموارد تصنع القوة تلقائيًا.
لكن قوانين السياسة والتاريخ تقول غير ذلك.
فالنفط لا يصنع قوة إذا بقي سلعةً يحدد الآخرون أسعارها ومساراتها، والموقع الجغرافي لا يصنع نفوذًا إذا لم يتحول إلى أداة استراتيجية، والكثافة السكانية لا تصبح قوة إذا لم تُترجم إلى علم وإنتاج وصناعة ومؤسسات، والجيوش لا تحقق الردع إذا كانت قراراتها مجزأة، والأسواق لا تتحول إلى نفوذ إذا بقيت متفرقة.
إن القوة لا تنشأ من وجود الموارد، وإنما من وجود قيادة قادرة على جمعها، وتنظيمها، وتوجيهها نحو أهداف مشتركة.
وهذه قاعدة تكاد تكون ثابتة في تاريخ الدول والحضارات.
العالم الإسلامي… مخزن هائل لعناصر القوة
لو نظرنا إلى العالم الإسلامي بمعايير الجيوبوليتيك، لوجدنا أنه يمتلك من عناصر القوة ما يجعل منه أحد أهم الفضاءات الاستراتيجية في العالم.
فهو يشرف على أهم الممرات البحرية التي تعبرها التجارة العالمية، ويضم احتياطيات ضخمة من الطاقة والموارد الطبيعية، ويمتلك عمقًا ديموغرافيًا هائلًا، ويقع في قلب طرق التجارة التي تربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.
كما أن أسواقه من أكبر الأسواق الناشئة، وشعوبه من أكثر شعوب العالم شبابًا، فضلًا عن امتلاكه إرثًا حضاريًا وثقافيًا عابرًا للحدود السياسية.
ولو اجتمعت هذه العناصر في إطار سياسي واقتصادي واستراتيجي منظم، لكان من الطبيعي أن يكون للعالم الإسلامي موقع مختلف في النظام الدولي.
لكن الواقع يشير إلى نتيجة معاكسة تمامًا.
كيف تتحول عناصر القوة إلى نقاط ضعف؟
عندما تكون الموارد موزعة بلا تنسيق، تتحول إلى أدوات تنافس بدل أن تكون أدوات تكامل.
وعندما تُدار كل دولة بمعزل عن الأخرى، تصبح الثروة عامل جذب للقوى الخارجية، بدل أن تكون أساسًا لبناء قوة ذاتية.
وحين يغيب المشروع الجامع، يصبح الموقع الجغرافي ميدانًا للتنافس الدولي، لا قاعدةً لإنتاج النفوذ.
ولهذا شهدنا خلال العقود الماضية أن كثيرًا من أزمات العالم الإسلامي لم تكن بسبب نقص الإمكانات، وإنما بسبب غياب القدرة على توحيدها وتوجيهها.
فالطاقة تُستخدم أحيانًا لخدمة توازنات الآخرين، والممرات البحرية تتحول إلى ساحات صراع بين القوى الكبرى، والأسواق تصبح مجالًا لتصريف منتجات الخارج، بينما تستورد الدول الإسلامية كثيرًا من احتياجاتها التقنية والصناعية، رغم ما تملكه من إمكانات مالية وبشرية.
لماذا لا تتحول عناصر القوة إلى مشروع قوة؟
البيئة الدولية وإشكالية تركز القوة:
إن توزيع عناصر القوة داخل العالم الإسلامي لا يعني بالضرورة أن هذه العناصر ستتحول تلقائيًا إلى مشروع قوة، لأن البيئة الدولية نفسها تؤثر في كيفية توظيفها. فكلما كانت منطقة ما تمتلك موارد استراتيجية وممرات حيوية وأسواقًا واسعة، ازدادت أهميتها في حسابات القوى الكبرى، وأصبح الحفاظ على توازنات معينة فيها جزءًا من التنافس الدولي. ومن ثم، فإن أي مشروع يسعى إلى تجميع هذه العناصر في إطار سياسي أو اقتصادي أو استراتيجي أكثر تكاملًا سيواجه تحديات داخلية وخارجية، لأن إعادة توزيع موازين القوة تؤثر بطبيعتها في مصالح أطراف دولية وإقليمية متعددة.
القوة المجزأة… مورد للقوى الكبرى
من القوانين التي تتكرر في التاريخ السياسي أن عناصر القوة، عندما تبقى مجزأة وموزعة، لا تتحول إلى قوة مستقلة، وإنما كثيرًا ما تصبح موردًا تستفيد منه القوى الكبرى في تعزيز نفوذها. فالنفط عندما يُدار بصورة متفرقة يصبح جزءًا من معادلات السوق العالمية التي تؤثر فيها القوى الاقتصادية الكبرى، والأسواق المتناثرة تتحول إلى منافذ لاستهلاك المنتجات الخارجية أكثر من كونها قاعدة لإنتاج النفوذ الاقتصادي، والجيوش التي تعمل ضمن أطر وطنية منفصلة تبقى معادلات ردع محلية محدودة الأثر، والموانئ والممرات البحرية قد تتحول إلى ساحات تنافس ونفوذ دولي بدل أن تكون أدوات قوة ذاتية.
أما عندما تُدار هذه العناصر ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، فإنها لا تبقى مجرد موارد، ولكنها تتحول إلى أدوات تأثير قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة.
القانون الذي حكم جميع القوى الكبرى
إذا تأملنا في صعود القوى الكبرى عبر التاريخ، سنجد قانونًا يتكرر بصورة لافتة.
لم تنهض قوة كبرى لأنها امتلكت الثروات فقط، وإنما لأنها امتلكت سلطة سياسية استطاعت جمع تلك الثروات في مشروع واحد.
الإمبراطوريات القديمة، والدول الأوروبية الحديثة، والولايات المتحدة، والصين، كلها لم تبدأ من وفرة الموارد وحدها، وإنما من وجود مركز سياسي قادر على تحديد الأولويات، وتعبئة الإمكانات، وتوجيهها نحو غاية استراتيجية.
فالقرار الموحد هو الذي يحول الموارد إلى قوة، ويحول الاقتصاد إلى نفوذ، ويحول الجغرافيا إلى تأثير.
أما الموارد المتفرقة، فإنها تظل موارد متفرقة مهما بلغ حجمها.
أين تكمن الإشكالية في العالم الإسلامي؟
إذا طبقنا هذا القانون على واقع الأمة الإسلامية، فإننا نصل إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب عناصر القوة، وإنما في غياب الإطار الذي يجمعها ويوجهها.
فالقدرات موزعة، والقرارات متفرقة، والأولويات متباينة، والاستراتيجيات متعارضة في أحيان كثيرة.
ومن هنا يبقى مجموع القوة الإسلامية أقل بكثير من مجموع عناصرها.
إن الأمة تبدو كجسد يملك أعضاءً سليمة، لكنه يفتقد العقل الذي ينسق بينها، أو كجيش متفرق يمتلك الرجال والسلاح والموارد، لكنه يفتقد غرفة عمليات موحدة تحدد الاتجاه وتنسق الجهد.
بين الرؤية الإسلامية والجدل السياسي
في هذا السياق، يرى عدد من المفكرين الإسلاميين أن أصل الإشكال يكمن في غياب نظام سياسي جامع للمسلمين، ويطرحون فكرة الخلافة باعتبارها الإطار الذي يمكن أن يوحد القرار، ويجمع الطاقات، ويوجه الموارد نحو مشروع حضاري مشترك.
وبحسب هذا التصور، فإن أهمية الخلافة لا تُختزل في كونها نموذجًا تاريخيًا للحكم على مدة ١٣ قرنًا من الزمن، وإنما في كونها تمثل ـ في نظر أصحاب هذا الرأي ـ مؤسسة جامعة، تتجاوز الانقسامات القومية والحدود السياسية، وتوفر مركزًا موحدًا لصناعة القرار الاستراتيجي، بما يسمح بتحويل الإمكانات المتفرقة إلى قوة متماسكة.
وفي المقابل، توجد رؤى أخرى ترى أن تحقيق التكامل والتأثير يمكن أن يتم عبر صيغ مختلفة أصغر من الخلافة وأقل كلفة وأكثر ديناميكية في الوقت الراهن – وذلك من وجهة نظرهم-
ويتمثل ذلك بالتعاون أو التنسيق أو وحدة الرؤية أو الوحدة المؤسسية بين الدول والمشاريع الإسلامية. ويعكس ذلك وجود نقاش فكري وسياسي واسع حول الوسائل، مع اتفاق كثيرين على أهمية تعزيز التعاون والوحدة في مواجهة التحديات المشتركة.
من امتلاك المقومات إلى صناعة المشروع
لن يكون مستقبل الأمة مرهونًا بما تملكه من نفط أو معادن أو ممرات بحرية أو أسواق، وإنما بقدرتها على بناء مشروع سياسي واستراتيجي يحسن توظيف هذه الإمكانات.
فالأمم لا تدخل التاريخ لأنها غنية، وإنما لأنها تعرف كيف تستخدم غناها.
ولا تصبح مؤثرة لأنها كبيرة، وإنما لأنها تعرف كيف توحد قوتها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العقل الإسلامي اليوم ليس: ماذا نملك؟ فالإجابة معروفة.
السؤال الحقيقي هو: كيف نحوّل ما نملكه إلى مشروع قوة يصنع القرار بدل أن يظل متأثرًا بقرارات الآخرين؟
وعندما يصبح هذا السؤال محور التفكير، تنتقل الأمة من الانشغال بإدارة الأزمات اليومية إلى التفكير في بناء المستقبل، ومن ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات، ومن تشتت الإمكانات إلى البحث عن الأطر التي تجعلها قوة فاعلة في العالم.
فالتاريخ لا يمنح المكانة للأمم التي تكثر مواردها، وإنما للأمم التي تنجح في تنظيم تلك الموارد ضمن مشروع سياسي حضاري يترك أثره في التاريخ. وبين امتلاك الثروة وامتلاك القوة مسافة كبيرة، لا تختصرها كثرة الإمكانات، وإنما يختصرها حسن إدارتها ووحدة توجيهها. ولذلك فإن مستقبل العالم الإسلامي لن يتحدد بما يختزنه من نفط أو معادن أو ممرات أو أسواق، ولكن بقدرته على بناء مشاريع ومؤسسات ورؤى وآليات تحول هذه المقومات إلى قوة مؤثرة في النظام الدولي.


