خطبة الجمعة من المسجد الحرام
مكة المكرمة 06 ربيع الأول 1447 هـ الموافق 29 أغسطس 2025
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس المسلمين بتقوى الله، فمن اتقاه حفظه بحفظه، وبرعايته رعاه.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم في المسجد الحرام: “في ظل عالم يموج بالفتن والاضطراب، ويعج بالمحن والاحتراب، يحتاج المرء إلى تلمس طريق النجاة، فلا بدّ لكل حصيف وأريب ألمعي، يستبين به الطريق؛ لينأى عن الفهم السقيم، ويرقى إلى الدرج السليم، ويتدرج في مدارج السالكين إلى رب العالمين، وأنى له ذلك إلا بإيمان راسخ، ومنهج وعقيدة واضحة صحيحة ثابتة، كعقيدة ومنهج السلف”.
وأضاف قائلًا: “سنّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سننًا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو المهتدي ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا”.
وأوضح الشيخ السديس أن الناظر إلى منهج سلفنا الصالح، يلفي معالم وأصولًا وقِيَمًا روابح، تميز بها هذا المنهج الشامخ الأشم، لم يشاركه فيها منهج من المناهج الأخرى ولا قريبًا منه، وأول معلم من معالمه العناية بالتوحيد الخالص لله تعالى، فلا أنداد ولا شركاء ولا أمثال ولا نظراء، فلا صنم يعبد، ولا نتقرب إلى الأموات، (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، يتوّج هذا المعلم الإخلاص في القول والعمل.
وبين أن من أهم الأصول والقيم الرواسخ التي تميز منهج سلفنا الصالح، الرد إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة في كل صغيرة وكبيرة، عملًا بقول الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، فالقرآن عندهم كلام الله المنزل بالوحي غير مخلوق، فيردون المتشابه فيه للمحكم، والمجمل للمبين في مواءمة بين ظواهر النصوص ومقاصدها، والمعقول والمنقول، وهذا أصل محكم في منهج السلف وحياتهم، فكل ما وافق الكتاب والسنة أثبتوه وكل ما خالفهما أبطلوه، فهم لا يعدلون عن النص الصحيح ولا يعارضوه بمعقول، ولا يحكمون على نصوص الوحي العقول.
وقال: “ومن الأصول العظيمة: العناية بالعلم والمعرفة، ولعل أبناءنا الذين يستقبلون العام الدراسي الجديد يستشعرون أهميته والاهتمام به، والمعلمين والمعلمات في عظيم رسالتهم؛ مع التأكيد على العناية بالقيم وتعزيز الوعي الفكري”.
وشدد إمام وخطيب المسجد الحرام على أن القرآن والسنة عند سلف الأمة؛ هما المنهل العذب الروي، ينهل منهما كل صاد، ويرجع إليهما كل مهتد وهاد، حتى لا يضل ولا يشقى, لافتًا النظر إلى أصل عظيم من أصول سلفنا الصالح وهو: الترضي عن جميع الصحابة- رضي الله عنهم- أجمعين، وعدم تكفير أحد من أهل القبلة بفعل الكبيرة ما لم يستحلها.
خطبة الجمعة من المسجد النبوي
المدينة المنورة 06 ربيع الأول 1447 هـ الموافق 29 أغسطس 2025
حذّر إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالباري بن عواض الثبيتي من التفاخر والتكبّر، والاستعلاء على الناس، أو السخرية منهم وازدرائهم، أو التكبّر عليهم بالقول أو الفعل، لأن ذلك اعتراض على أقدار الله، ورزقه، ويورد المرء لإفساد علاقاته بمجتمعه، ويوقعه في مسالك الشيطان.
واستهلّ الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي خطبة الجمعة من المسجد النبوي اليوم، موصيًا المسلمين بتقوى الله تعالى، فهي جِماع الفضائل، وسبب النجاة، ومفتاح الطمأنينة، وموئل السعادة في الدنيا والآخرة، مشيرًا إلى أن كلمة “أنا أفضلُ منه” قد تتردد على الألسن أحيانًا، لكنها في حقيقتها ليست مجرد عبارة تُقال، بل شعورٌ خفيٌ، يتسلّل إلى القلوب، ويستقرّ في أعماق النفس حتى يورد صاحبها موارد السقوط.
وأضاف، أن عبارة “أنا أفضلُ منه” تولدُ من وَهم المقارنات، حين يرى المرء نفسه الأجدر بالفضل، والأحقّ بالمكانة، والأَولى بالرِّفعة، لأنه يظنُ أنه يملكُ من المؤهلات والقدرات، ما لا يملكه غيره ثم يزدري ما أصاب غيره من رزقٍ أو منصبٍ، ويقول جهرًا أو في نفسه: أنا أولى منه، أنا أعلمُ، أنا أذكى، أنا أحقّ بالمكان، وهذا الشعور في حقيقته اعتراض خفيٌّ على عدل الله، وتشكيك في حكمته، كأن صاحبه -والعياذ بالله- يستدركُ على خالقه في تقسيم الأرزاق والمناصب والوجاهة.
وأوضح فضيلته، أن من استسلم لدوامة المقارنات، وقع في الشِركِ الخفيّ، وسار على الطريق الذي هلك فيه أولُ عاصٍ، مضيفًا أن هذه الكلمة لا تتوقف عند حدود اللسان، بل تتكرر بأشكال شتى في حياة الناس، قد لا تُقال صراحة لكنها تُفهم من نظرة متعالية، أو ضحكة ساخرة، أو نبرة مستعلية، أو سكوتٌ يقطُرُ احتقارًا، أو حتى من عبارة عابرة، تُخفي في طياتها ازدراءً مبطنًا، يقولها المُدير حين يزدري موظفيه، ويقولها الغنيّ حين يشعرُ الفقير بالدونية، ويقولها المتديّن حين يحتقر العاصي، ويقولها من يفاخر بعقله أو نسبه أو علمه.
وتابع فضيلته، مبينًا أن ادعاء المرء بالأفضلية أو التعالي على الآخرين، قد تقال باسم الدين، حين يظنّ المرء أن الحقَّ حصرٌ فيه، وقد يخفيها بعض الناس تحت ستار النصح أو الدعوة أو الجِدال، لكنها في جوهرها كبيرٌ صريحٌ، فمن أطلقها وهو يزكّي نفسه، ويرى أنه أرفع من الناس قدرًا أو منزلة، يقترنُ قولهُ بكبيرٍ في القلب، وبطرٌ للحق، وازدراءٌ للخلقِ، فقد سلك طريق إبليس، وإن تغيرت الألفاظ وتبدّلت الصور.
وذكر إمام وخطيب المسجد النبوي أن الله تعالى عليم بما يصلُح به حال عباده، محذرًا من الاعتراض على الخالق العظيم الذي خلق وقدّر، ورفع وخفض، وأعزّ وأقلّ، وهو العليم بما يُصلِح عباده، الحكيم فيما قضى وقدر، وحكمته فوق ما تدركه العقول المحدودة، وألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
وتابع الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي مذكرًا أن ما أعطاه الله للعبد فهو خير، وإن بدا في قليلًا، وما منعه إياه ففيه رحمة، وإن ظنه حرمانًا، وقد يكون في التأخير سترٌ، وفي المنع لطفٌ، وفي الفَقدِ نجاةٌ فليكن المؤمن عبدًا للرضا، لا أسيرًا للمقارنة، والزلل أن يجعل النعمة سلمًا لاحتقار الآخرين، أو ميزانًا للتفوّق المُطلق، ورُبّ من استصغر شأنه يكون عند الله أرفع منه بدرجات.
وأوضح أن الشريعة لم تكتف بالتحذير من الكبير، بل وضعت لنا النموذج الأعلى في يوسف -عليه السلام- فقد كان صاحب علمٍ وخلقٍ ومكانةٍ، ومع ذلك لما وقف أمام عزيز مصر، لم يقل: “أنا أفضل من فلان”، ولم يسعَ إلى التفوّق بإسقاط غيره، وإنما قال بلسان الواثق مسؤوليته: “اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، قالها بثقة المتواضع لا بغرور المتعالي، فلم يصغّر يوسفُ أحداً ليعلو، ولم يجعل نفسه مقياسًا لنجاح غيره، فقدم نفسه خادمًا أمينًا لا متفاخرًا، وشتان بين من يعرُض كفاءته نفعًا للأمة والوطن، فيؤجر، وبين من يُنقصُ غيره ليُظهر نفسهُ الأعلى، فيهلُك ويسقُط.
ونبّه فضيلته من سلوك وصفة التكبّر والتعالي، مبينًا أن الكِبر إذا استقر في القلوب فسدت المجتمعات، وتعطّلت مسيرة البناء، وضعُف التعاون، وتفكّكت الروابط، حتى تهدم جسور الاحترام، وتوقد نيران الحسد والبغضاء والانتقام، ولهذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “لا يدخلُ الجنة من كان في قلبهِ مِثقال ذرة من كبر”، ثم فسّره بقوله: “بطرُ الحقّ وغَمط الناس”، وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: “من تواضع لله رفعه الله درجة، حتى يجعله في أعلى عليين، ومن تكبر، وضعه الله، حتى يجعله في أسفل سافلين”.
ودعا فضيلته، لأن يتذكّر العبد كلما همّت نفسه بالتفاخر، أن النعم لا تدوم، وأن ما يملكهُ اليوم قد يُسلب غدًا، وأن يُخفض جناحه تواضعًا، وإن رأى غيره قد فُضّل عليه في رزقٍ أو مالٍ، فليقل: اللهم بارك له، وارضني بما قسمت لي، وأن يجعل لسانه رطبًا بالدعاء لنفسه ولغيره لأن في ذلك تزكية للقلب وصلاح للحال.
وختم الشيخ عبدالباري الثبيتي الخطبة داعيًا المولى جل وعلا أن يرحم إخواننا المستضعفين المظلومين في فلسطين، وأن يكون لهم عونًا ونصيرًا، وسندًا وظهيرًا، وأن يُبدّل خوفهم أمنًا، وأن يرحم موتاهم، ويشفِ مرضاهم، ويلبسهم العافية والسكينة، ويلطُف بهم، وينُصُرهم على المعتدين الظالمين.